ما هو التفسير العلمي وراء مضي الوقت كلمح البصر حينما نحظى بلحظات ممتعة؟

اكثر الساعات دقة في العالم تعمل بوتيرة ثابتة، حيث تتأخر فقط بثانية واحدة كل 300 مليون سنة.

الدماغ لديه إدراكه الخاص للوقت، حيث يمكن أن تمضي الدقيقة كأنها أطول دقيقة في العالم، أو أن تمر بثانية. لكن لماذا الوقت بالنسبة للدماغ لا يمر كالوقت الطبيعي، كوقت الساعة مثلاً؟ بتعبير آخر، لماذا يمضي الوقت كلمح البصر عندما نحظى بلحظات ممتعة؟ ولماذا يتوقف عند شعورك بالملل؟

يقول طبيب الأعصاب في جامعة كولومبيا د. مايكل شادلين :Dr. Michael Shadlen ادراك الدماغ للوقت يعتمد على توقعاته له. الدماغ يمكنه أن يرجّح أنّ هنالك شيء ما على وشك الحدوث، بالنظر إلى أنه لم يحدث بعد. وصرح أيضا لموقع لايف سايانس Live Science أن كل فكر له آفاق مختلفة.

على سبيل المثال، فالأفق حسب كتب التعليم هو نهاية كل مقطع لفظي ونهاية كل كلمة ونهاية الجملة التالية وهكذا، فالوقت يمضي وفقاً لكيفية توقعنا لهذه الآفاق في حياتنا.

عندما تكون غارقاً تماماً في شيء ما، فالعقل يتوقع مضمونه الكلي، برؤيته لآفاقه القريبة والبعيدة، مما يجعل الوقت يبدو وكأنه يمضي بسرعة، لكنه العكس تماماً عند شعورك بالملل، فأنت تتصور الأفق القريب، مثل أن تتوقع نهاية النص بدلاً من توقعك لنهاية القصة، فتغدو الآفاق غير مترابطة معاً بصورة كاملة، فيزحف الوقت كالسلحفاة.

ليس هنالك جزء معين في الدماغ مسؤول عن كيفية ادراكنا للوقت بهذه الطريقة، فالمعني بهذه المهمة بدلاً من ذلك، هي الأجزاء في الدماغ المسؤولة عن تحفيز الافكار والوعي الادراكي حسب ما يقوله شادلين Shadlen.

أضاف أيضاً طبيب الاعصاب جو باتن Joe Paton أنه من المؤكد أن هنالك وجود للعديد من آليات ادراك الوقت في الدماغ. وأن آليات ادراك الوقت الذاتي هذه لا دخل لها بالساعة البيولوجية أو بكيفية ارتباط جسمنا بالدورة اليومية للأرض.

وجد باتون Paton وفريقه من الباحثين من خلال ابحاثهم أن هنالك آلية معنيّة بمدى سرعة تنشيط الخلايا الدماغية للخلايا الأخرى، وبمدى سرعة تشكيل شبكة ادراكية في الدماغ عند قيامك بنشاطٍ ما، فاتّضح أنه كلما زادت سرعة تشكيل هذه الشبكة في الخلايا العصبية، زادت سرعة ادراكنا للوقت ومرّ اسرع.

ووجدوا أيضاً آلية أخرى تنطوي حول افرازات المواد الكيميائية في الدماغ. حيث تؤثر مجموعة الخلايا العصبية المسؤولة عن افراز الدوبامين Dopamine- وكانت مهمة للعديد من العمليات العصبية والمشاعر- حول كيفية ادراك وتعامل الدماغ مع الوقت. تنشط هذه الخلايا بشدة عندما تحظى بوقت ممتع، حيث تفرز هذه الخلايا الكثير من الدوبامين، فيحكم عقلك أن وقت أقل كان قد مر، مع أنه بالحقيقة العكس تماماً. وعند شعورك بالملل، تفرز هذه الخلايا كميات أقل من الدوبامين، فيبدو الوقت يمر ابطأ من المعتاد.

المسألة ليست واضحة حول عدم دقة ادمغتنا منهجياً عندما يتعلق الأمر بادراك الوقت. لكن يمكن لهذا أن يكون ميزة تطورية. حيث يقول بوتن: “الحياة هي مثل سلسلة من القرارات حول هل يجب أن ابقى أم يجب أن اذهب (يشير إلى اختلاف آفاق حياتنا حسب قراراتنا.) وصرّح أيضا لموقع لايف سايانس، أن هذا الادراك الداخلي للوقت يساعد الحيوانات على أن تقرر متى يكون بقائها في في مكان ما مجزياً.

لكن عندما تمعن النظر في سابق الوقت، فالمدة الزمنية الخاصة بادراك واقعة ما تؤثر بطريقة تخزين الدماغ لهذه الذكرى وفقاً لما يقوله د. ديفيد ياغليمان Dr. David Eagleman بروفيسور في علم النفس والصحة العقلية. شبكات الخلايا العصبية المسؤولة عن حفظ ذاكرة جديدة تكون أقل نشاطاً عندما يتعلق الأمر بشيء جديد وغير مألوف. حيث يقول ياغلمان أنه عندما تكون هذه الخلايا العصبية نشطة أكثر، يبدو حينها كما لو أن هذه الذاكرة قد دامت لوقت طويل.

ولنستخدم شجار ما كمثال لشرح المسألة، فعندما تتذكر شجار طويل كنت قد تورطت به (وأن مشاكلك التي تتورط بها دائما ما تكون طويلة) فقد تتذكر الشجار كأنه مضى بسرعة، على الرغم من أنه كان طويلاً وقت حدوثه. ذلك بسبب أن دماغك لم يتعب نفسه بتخزين هذه الذكريات، وفقا لما يفسّره د. ياغلمان.

وأضاف أيضاً، أن الوقت يمر اسرع كلما كبرت في العمر. فعندما تسترجع ذكريات الطفولة، يبدو كل شيء وكأنه جديد بالنسبة لك، لأن دماغك كان قد شكل وقتها خلايا عصبية كثيفة، لكي تتذكر المناسبات والمواقف والتجارب. لكن بالنسبة لشخص بالغ، فقد مررت بالعديد من المواقف التي لا تحصى، عندها لا يستعجل الدماغ على حفظ هذه الذكريات. فتعود بالذكريات إلى الطفولة والشباب وتبدأ بالتسائل، أين ذهب كل هذا الوقت!

ترجمة: نور الدين حاتم

المصادر: 1