ماذا سيحدث لو اختفت جميع الحشرات من الوجود؟

بعد 56 سنة من تحذير عالمة علم الأحياء راشيل كارسون في كتابها «الربيع الصامت»، من خطر موت الطيور نتيجة انتشار استعمال المبيدات الحشرية، قد تظهر أزمة بيولوجية جديدة. فقد كشفت دراسة نُشرت الخريف الماضي عن انخفاض بمقدار 76% في إجمالي الكتلة الحيوية الموسمية للحشرات الطائرة التي تم تسجيلها في 63 موقعاً في ألمانيا على مدار العقود الثلاثة الماضية. وتجاوزت الخسائر في منتصف الصيف، أي عندما تكون هذه الحشرات أكثر عدداً، نسبة 80%.

أثار هذا الاكتشاف المرعب، الذي قام به علماء طبيعة يشكلون جمعية كريفيلد لعلم الحشرات، التي يديرها متطوعون ومعظمهم من الهواة، سؤالاً واضحاً: هل مثل هذه الظاهرة تحدث أيضاً في مكانٍ آخر؟

للأسف، تصعب الإجابة على هذا السؤال بسبب مشكلة أخرى: التراجع الكبير على مستوى العالم في عدد علماء الطبيعة الذين يدرسون هذه الظواهر. معظم العلماء يعيشون اليوم في المدن ولديهم خبرة ميدانية قليلة مع النباتات والحيوانات البرية، ومعظم كتب علم الأحياء تركز الآن أكثر على الجزيئات والخلايا والتشريح الداخلي أكثر من اعتنائها بتنوع وعادات الأنواع، بل وأصبح رائجاً في الأوساط التعليمية التقليل من تدريس التاريخ الطبيعي والوقائع العلمية التي يمكن «تمثيلها» في الاختبارات، لصالح المفاهيم النظرية.

قد يؤتي هذا التوجه ثماره في مجال تعلم الفيزياء عبر مواقع يوتيوب وويكيبيديا، أو ما يطلق عليه اسم «فيزياء أو رياضيات الأريكة»، لكنه ليس كافياً لفهم الكائنات الحية والنظم البيئية المعقدة في العالم الحقيقي. ولا تقدم نماذج الكمبيوتر والمعادلات فائدة تذكر بدون الحصول على تفاصيل ميدانية لاختبار مدى صحتها.

هل نحن في قلب كارثةٍ عامة تهدد عالم الحشرات دون أن يلحظها معظمنا؟

إليكم نقطة أخرى مميزة من البيانات: لقد تم الإبلاغ عن الانخفاض المستمر منذ عقود، في عدد عثة الصقور الملقحة للنباتات في الشمال الشرقي، لكن لا يمكن التأكد من أسباب هذا الانخفاض وعواقبه؛ لأننا لا نعرف سوى القليل عن بيئة هذه الحشرات.

في الماضي، كان تجميع مثل هذه المعلومات كفيلاً بأن يمثل مشروع حياة بالنسبة لعلماء من قبيل لينوس أو همبولت أو داروين، أما الآن، غالباً ما يتم تجاهل هذه المخلوقات؛ لأن دراستها قد لا تحظى بالاهتمام والنشر أو تصدر العناوين الرئيسية أو تجلب للعاملين بها منحاً يعتاش منها الأكاديميون. هذا لا يدع لنا سوى القليل من الأدلة التي يتناقلها الناس، للاشتغال عليها. وقد أشارت قصةٌ نشرتها صحيفة «تلغراف» مؤخراً إلى أن الزجاج الأمامي للسيارات في بريطانيا لم يعد ملطخاً بالحشرات المصطدمة به، وهذا الخبر ذكرني بالأجنحة الصغيرة للحشرات وسيقانها وقرون استشعارها التي اعتدت أن نراها تلطخ مقدمة سيارتي في أعقاب رحلات منتصف الصيف خلال سبعينيات القرن الماضي، أما اليوم، فإن رحلة عبر شمال نيويورك، حيث أقيم، لا تكاد تترك أي بقعة على السيارة.

هل ذلك لأن السيارات أكثر انسيابية؟ لا أعتقد. شهر يوليو/تموز الماضي، قمت بفحص سيارات متوقفة في ساراناك ليك ولم أعثر إلا على النزر القليل من بقايا الحشرات، وأحياناً ولا واحدة، ولا حتى على لوحات السيارات، ومقدمة الشاحنات الصغيرة. ماذا وراء هذا الانخفاض؟ لا يعود السبب على الأرجح لتغير المناخ، وفقاً للباحثين في الدراسة الألمانية الذين راقبوا أيضاً الطقس المحلي خلال عملية المسح. وماذا عن الاصطدامات بالمركبات؟ على الرغم من تجربتي الشخصية ورصد لوحات قيادة المعلومات في بريطانيا، فقد قَدّرت دراسةٌ نُشرت في عام 2015 أن مئات المليارات من الحشرات تقتل في أميركا الشمالية بواسطة السيارات والشاحنات كل عام.

وقد دعا منظمو الدراسة إلى إجراء بحث إضافي لتحديد ما إذا كانت النتائج التي توصلوا إليها «تساهم في الانخفاض الكبير في الحشرات الملقحة التي تحدث على نطاق عالمي، مما يعرض الأداء البيئي للمناطق الطبيعية والإنتاجية الزراعية للخطر». لم تكن السيارات على الأرجح المسؤولة عن هذه الظاهرة، في الدراسة الألمانية؛ لأن هذه الدراسة ركزت على المحميات الطبيعية حيث تقل حركة الطرق إلى أدنى حد. وبالنسبة لبعض الخبراء، فإن عملية إبادة الحشرات هذه تشير إلى المبيدات الحشرية باعتبارها المشتبه به الرئيسي. لماذا نهتم بهذا الصمت الجديد حول الحشرات؟

في حالة تحقق المعلومات عن وجود انخفاضٍ شاملٍ في عدد الحشرات الطائرة، فذلك يعني أن قطاعاً بأكمله من المملكة الحيوانية معرضٌ للخطر، وهذا القطاع يمثل تنوعاً هائلاً من أشكال الحياة، من الفراشات والخنافس إلى الحوامات واليعاسيب. وقد حذر عالم الأحياء البارز إدوارد ويلسون، الذي أمضى معظم حياته في دراسة النمل، قائلاً: «إذا اختفت البشرية جمعاء، فإن العالم سيعود مجدداً إلى حالة التوازن الثرية التي كانت موجودة قبل عشرة آلاف عام، أما إذا اختفت الحشرات، فإن البيئة ستنهار وتسقط في فوضى عارمة».

إذاً، الأمر كالتالي.. هل يُمكن أن يُمثل أيّ ما يُسبّب موت هذه الحشرات تهديداً لنا أيضاً؟

يتضاءل الانخفاض الملحوظ في نحل العسل في الولايات المتحدة بالمقارنة مع تسرب الحشرات في ألمانيا، وإن لم يكن في الحجم، فعلى الأقل من ناحية فقدان التنوع البيولوجي. تمثل الحشرات الغالبية العظمى من جميع أنواع الكائنات الحيوانية، ونظراً لأنها مُلقحات وتُمثل جزءاً حيوياً من السلسلة الغذائية، فإن غيابها سوف يضرب بعمق جذور الحياة على الأرض.

واجهت أنا وزملائي بصفتي باحثاً مُتخصصاً في دراسة البحيرات، صعوبة في تفسير اللغز الخاص بنا: ألا وهو إعادة هيكلة مجتمعات العوالق- البلانكتون- في البحيرات في جميع أنحاء العالم في العقود الأخيرة، والتي قمنا بتوثيقها من خلال فحص الرواسب الجوفية المستخرجة من قيعان البحيرات. ويمكن أن يشير ذلك إلى مشاكل تتعلق بنوعية المياه أو مصائد الأسماك أو غيرها من الجوانب الأخرى المتعلقة ببيئة البحيرات.

وإن لم نأخذ العينات الأساسية، فقد يظل المقياس الجغرافي لهذا التغيير غير مكتشف؛ لأن التمويل والرصد الميداني الدقيق لتكوين العوالق في البحيرات لم يكن متوفراً في الكثير من الأحيان. وقد عزا بعض الخبراء تحول العوالق إلى تغير المناخ، والبعض الآخر إلى تلوث النيتروجين نتيجة للصرف الزراعي، لكننا بحاجة إلى المزيد من الدراسات الميدانية طويلة الأجل لتأكيد السبب وتوقع آثاره.

تشير بيانات الحشرات الألمانية إلى احتمال آخر: هل يمكن للمواد الكيميائية الزراعية أن تسمم الكائنات المائية، بما في ذلك العوالق والحشرات التي تبدأ حياتها كيرقات مائية؟ نحن ببساطة لا نعرف. في بريطانيا استندت التقارير الإخبارية حول حوادث السيارات الناتجة عن الحشرات على دراسة استقت بياناتها من متطوعين راقبوا مقياساً لقياس اللطخات على لوحات سياراتهم. نحن في حاجة لمزيد من الاعتماد على مثل هذه المصادر العامة الموجهة لخدمة العلم.

فقد حول العلماء والمواطنون وبعض الأسر الطلابية المهتمة بالبحث الميداني مثل تلك التي أنتمي إليها في كلية باول سميث في جبال أديرونداك في نيويورك ساحات منازلهم وحدائقهم وبركهم وغاباتهم إلى محطات مراقبة طويلة الأمد. وتقوم مراكز تجميع على الإنترنت مثل iNaturalist و Budburst و North American Breeding Bird بجمع وتمحيص وأرشفة البيانات الميدانية حتى تكون متاحة للاستخدام من قبل الآخرين. وتظهر هذه البيانات أن العديد من فصائل الحشرات تغير مدى وعادات هجراتها استجابة للتغير المناخي.

في الولايات المتحدة أجرى علماء باحثون مرتبطون بشبكة مكونة من أكثر من عشرين مركز مراقبة بيئية، أبحاثاً ميدانية أكثر تفصيلاً لعدة عقود. لكن هذه الجهود ما زالت غير كافية لمجاراة التغير السريع في العالم. نحن في حاجة لمجموعات من المحترفين المتخصصين في علم الأحياء الميداني وعلم البيئة للتركيز على المخلوقات الأكثر أهمية والأقل شهرة وقيمة من الناحية التجارية أكثر من الطيور المغردة والنحل. حذر مقال افتتاحي صدر عام 1996 في دورية Conservation Biology العلمية من أن علماء الطبيعة يتناقص عددهم وتساءل إن كان «الجيل الجديد من علماء الحفاظ على الأحياء لن يكونوا أكثر من مجرد متخصصين في الحاسوب ليست لديهم معرفة مباشرة بالتاريخ الطبيعي؟». وبعد مرور عقدين من الزمان، بدأنا ندرك كم نحن محظوظون بالخبراء المتخصصين ومحبي الطبيعة الهواة الذي ظلوا يراقبون ويسجلون الوميض المميز لليراعات أو الحفيف الناعم لأجنحة اليعاسيب. لكننا في حاجة للمزيد منهم في أقرب وقت ممكن.

ماذا لو اختفى جميع البعوض من الوجود؟

في البداية سنقول لك أن انقراض البعوض بشكل شامل يعني القضاء على حوالي 3500 نوعاً من البعوض، وهذا العدد طبعاً هو عدد أنواع البعوض المعروفين لدينا حالياً، ومن بين تلك الآلاف من أنواع البعوض يوجد حوالي بضع مئات نوع فقط يهاجم البشر ويلدغهم، ومن بينهم ثلاثة أنواع تشكل مخاطر على الإنسان وهي الأنوفيليس والكيولكس والايديس وذلك عن طريق نقل الأمراض مثل الملاريا وهو المثال الكلاسيكي المعروف، ويمكننا إضافة الحمى الصفراء، وحمى الضنك، والتهاب الدماغ الياباني، وحمى الوادي المتصدع، وفيروس شيكونغونيا، وفيروس غرب النيل.

إن البعوض له آثار إيجابية وسلبية على النظام البيئي. إذا تكلمنا عن الجزء المفيد من دوره، فإن يرقات البعوض تعيش في المياه وتقوم بتوفير الغذاء للأسماك وغيرها من الحيوانات الأخرى، واليرقات أنفسها تأكل المواد العضوية المجهرية في المياه، مما يساعد على إعادة تدويره، والبعوض البالغ يشكل جزءاً من النظام الغذائي لبعض الحيوانات آكلة الحشرات، مثل الطيور والخفافيش، اليعسوب والعناكب. كما أنها تساعد على تلقيح بعض الزهور، عندما تستهلك الرحيق.

ولكن البعوض أيضاً له دور مدمر، فإنه يضر الحيوانات الأخرى وذلك بسبب كونه ناقلاً للأمراض مثل الملاريا والحمى الصفراء والتهاب الدماغ وحمى الضنك كما قلنا سابقاً. إن البعوض لا يسبب الأمراض، بل هو يعمل كحوامل وناقل للمرض. إنهم يتغذون على شخص أو حيوان يكون مصاباً بالفعل، ثم بعد ذلك عندما تلدغ شخصاً آخر سليماً أو حيواناً فإنها تمرر له هذا المرض.

دعنا نعود إلى موضوعنا الرئيسي الذي يتحدث عن انقراض البعوض أو القضاء عليه بشكل كامل، وللإجابة عن هذا السؤال سنذهب قليلاً إلى بعض العلماء الذين قاموا بدراسة عدد من الطرق المحتملة للقضاء على البعوض، واقترحوا من بين تلك الطرق المحتملة الطريقة الجينية؛ حيث تقوم هذه الطريقة على جعل البعوض ينتج ذكوراً بنسبة أكبر من الإناث، وباستمرار تلك العملية مع كل جيل جديد يظهر، والذي هو في المقام الأول بنسبة الغالبية ذكور، فإن تلك الأنواع سوف تصبح في نهاية المطاف ذاتية الحد. أي ذكور فقط ولا تتكاثر، مما يؤدي في النهاية إلى انقراضها. ولإنشاء بعوض معدل وراثياً استخدم الباحثون الإنزيم الذي يؤثر على كرومسوم X خلال إنتاج الحيوانات المنوية.

لكن هل هذا هو الحل بالفعل؟! إن البعوض موجود ويعيش على هذا الكوكب لأكثر من 100 مليون سنة وأصبح جزءاً هاماً من السلسلة الغذائية، هل هذا هو العمل الصحيح؟! ربما لا في نظر بعض العلماء.

حيث اتضح للعلماء أنه إذا وجد طريقة أو وسيلة للقضاء على البعوض نهائياً فإن ذلك سيؤدي إلى خلق غياب واضح في البيئة. دعنا نأخذ على سبيل المثال منطقة التندرا في القطب الشمالي وهي موطن أنواع البعوض مثل impiger و Aedes و nigripes حيث أن العديد من أنواع البعوض الموجودة هناك تكون وفيرة للغاية وهي بدورها توفر الغذاء للطيور المهاجرة، فإذا تم القضاء على تلك الأنواع من البعوض فإن عدداً من الطيور في تلك المنطقة سوف ينخفض إلى أكثر من النصف كما يقول خبير علم الحشرات بروس هاريسون.

ويتوقع بعض العلماء أيضاً أن مصيراً مماثلاً ينتظر العديد من أنواع الأسماك في جميع أنحاء العالم، وتحتاج معظم الحيوانات أن تتكيف مع النظام الغذائي الجديد من أجل البقاء على قيد الحياة، لكن هذا السناريو سيكون صعباً جداً وبشكل خاص لأسماك مثل مسكيتوفيش Mosquitofish.

وتضيف أيضاً عالمة البيئة التطورية دينا فونيسكا دون البعوض الآلاف من الأنواع النباتية سوف تفقد مجموعة من الملقحات عندما تستهلك الرحيق.

في واقع الأمر إذا اختفى البعوض من الوجود، إن الحشرات والأسماك التي تتغذى عليها سوف تتضاءل وذلك يمكن أن يسبب في تأثير مضاعف على امتداد السلسلة الغذائية. إن يرقات البعوض مهمة جداً في البيئة المائية فالكثير من الحشرات الأخرى والأسماك الصغيرة تتغذى عليها، وإن فقدان هذا المصدر الغذائي يسبب في انخفاض أعدادهم كما أنها تعد مصدراً رئيسياً للعناكب والسمندل والسحالي والضفادع.

لكن عالمة أحياء الحيوانات البرية كاثي مترون تختلف برأيها وتقول إن البشر تبالغ في التقدير وأن البراغش في المنطقة القطبية الشمالية هي مصدر أكثر أهمية من المواد الغذائية، ويتوقع أيضاً بعض العلماء الآخرين أنه في حين أن بعض الحيوانات ستجوع فإن ذلك لن يسبب كارثة ومعظمهم سيتكيف في نهاية المطاف على فريسة أخرى وسيشغل مكانها كائنات حية أخرى بسرعة والحياة سوف تستمر. دون الأمراض التي تنتقل عن طريق البعوض. الملاريا على سبيل المثال تقتل حوالي مليون شخص سنوياً وتجعل 246 مليون شخص آخر مريض سنوياً.

إن اختفاء البعوض من الوجود سوف ينهي معه إصابة 246 مليون شخص بالمرض سنوياً، وسوف ينهي أيضاً قتل مليون شخص سنوياً على هذا الكوكب، لكن في المقابل عند اختفائه سيقضي على عدد هائل من الطيور والحشرات ومن ثم الأسماك وبعدها الحيوانات وربما في نهاية المطاف سوف يؤثر علينا بطريقة أو بأخرى، فما رأيك هل توافق على القضاء على البعوض المزعج نهائياً.

ماذا سيحدث لو اختفى النحل من الوجود؟

“إذا اختفى النحل من كوكب الأرض فلن يبقى للإنسان إلا سنوات قليلة للاختفاء بعده” قال هذه العبارة العالم ألبرت أينشتاين قبل ما يقارب خمسين عامًا، وتجسدت كلماته على أرض الواقع وأصبح يهدد النحل البشرية بالفناء، لكن السؤال الآن كيف يهدد النحل البشرية بالانقراض؟

أظهرت دراسة حديثة أن قرابة ربع أنواع النحل الطنان في أوروبا يواجه خطر الانقراض بسبب فقدان مواطنه وتغير المناخ، الأمر الذي يعرض تلقيح محاصيل بمليارات الدولارات للخطر.

وقالت الدراسة التي أعدها الاتحاد الدولي للحفاظ على البيئة وصدرت في أبريل 2014 إن 16 نوعًا من بين 68 نوعًا من النحل الطنان يواجه خطر الانقراض.

ويُعد الاتحاد – الذي يضم حكومات وعلماء وجماعات مدافعة عن البيئة – دراسة عالمية عن النحل ومنه نحل العسل الذي تتناقص أعداده بشدة بسبب الأمراض، لكن الدراسة لم تشر لاحتمال انتشار أمراض نحل العسل بين النحل الطنان.

وقال الاتحاد في بيان إن ثلاثة أنواع من النحل الطنان من بين أهم خمس حشرات تلقح المحاصيل الأوروبية، مشيرًا إلى أن قيمة المحاصيل الأوروبية التي يسهم النحل الطنان في زراعتها – إلى جانب حشرات التلقيح الأخرى – أكثر من 22 مليار يورو (30.35 مليار دولار) سنويًا.

وبحسب الدراسة، فإن نحو نصف أعداد النحل الطنان تتناقص، في حين يزيد عدد أنواع 13% فقط منها، معتبرًا أن تغير المناخ وتكثيف الزراعة والتغيرات في الأراضي الزراعية، تشكل المخاطر الرئيسية التي يواجهها النحل الطنان.

وأكد مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون البيئة جينز بوتونيك في بيان أن الاتحاد يتحرك لمواجهة الموقف، حيث تم حظر أو قيد استخدام مبيدات معينة خطرة على النحل، كما يمول الاتحاد أبحاثًا بشأن أوضاع نحل التلقيح.

علاقة النحل بالبشرية

عند الوقوف على عبارة العالم ألبرت أينشتاين، نجد أنها بحاجة إلى التفسير لفك اللغز الذي ربط اختفاء النحل بفناء البشرية، فالعبارة توضح أن نهاية النحل تعني نهاية تلقيح النبات، فإذا ما انتهى النبات انتهى الحيوان ثم ينتهي الإنسان، فعندما تنتقل النحلة من زهرة إلى زهرة بحثًا عن الرحيق، فإنها تلقح اللأزهار التي تساعد على ظهور محاصيل الخضراوات والفواكه.

والإنسان أكبر خطر يهدد النحل بسبب استخدامه للمبيدات الحشرية، فقد لوحظ في العقود الماضية تراجع كبير في عدد مستعمرات النحل على مستوى العالم، ويرجع الباحثون ذلك إلى أسباب كثيرة منها التغير البيئي والمناخي والإفراط في استخدام مبيدات الحشرات الأمر الذي سبب سوء التغذية لدى النحل بسبب هذه العوامل وغيرها.

وإزاء هذه المخاطر المحدقة بالنحل، تداعت جمعيات فرنسـية لتحريك المجتمع والتوقيع على عريضة شرعة حماية النحل تحت شعار: “النحلة حارسة البيئة”، وقد امتـدت الحملة إلى أوروبا، ومنها ستنطلق إلى كل البلدان المهـدد نحلها بالانقراض لتكون الكلمة جـامعة وقوية أمام السلطات المحلية ومنظمات الأمم المتحدة.

ووفقًا لموقع الطبي علاج حاز د. نزار حداد مدير وحدة أبحاث النحل في المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي على جائزة فيلادلفيا للإبداع العلمي في العلوم البحتة والطبيعية عن أفضل كتاب مترجم لعام 2008م.

ويسرد الكتاب بشكل رائع وجذاب نمط وسلوك وحياة نحل العسل من منظور جديد وبنظرة علمية جديدة، واعتمد فيه المؤلف على آخر ما توصلت إليه نتائج أبحاثه وغيره من العلماء.

ويبرز الكاتب أهمية نحل العسل في تلقيح النباتات البرية والمحاصيل الزراعية، مؤكدًا مقولة العالم أينشتاين بأنه لن يبقى للجنس البشري إلا أربع سنوات في حال انقراض النحل، لا نحل.. لا تلقيح.. لا نبات.. لا حيوان.. لا إنسان.. ويبرز الكاتب بطريقة غير مباشرة أهمية تعلم الجنس البشري الكثير من هذا المجتمع الحشري.

أسباب انقراض النحل

حدّدت الوكالة الفرنسية للسلامة الصحية للأغذية AFSSA 40 سببًا لانقراض النحل، فالمبيدات الحشرية لا تمثل السبب الوحيد لموت النحل وذلك منذ بداية التسعينيات في فرنسا خلافًا لما يؤكده مربّو النحل.

والدليل على صحة كلام الوكالة أنه منذ منع استعمال المبيدات على بذور عباد الشمس والذرة لم تشهد الأمور تحسنًا، وقد أظهرت العديد من الدراسات أن صحة النحل لم تتوقف عن الانحدار في كل أنحاء العالم.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً أصيب النحل بمرض جديد مجهول المصدر أدى إلى سقوط جماعات النحل، وأعدت الوكالة الفرنسية للسلامة الصحية للأغذية مؤخرًا تقريرًا نشر جزء كبير منه، حيث حدّد الخبراء 40 سببًا مؤديًا لموت وإضعاف جماعات النحل.

التقرير أكد أنه لا توجد أي حالة من حالات التسمم ناجمة عن مواد كانت موجودة باللقاح أو البذور لهذا قررت الوكالة إحداث خلية لمراقبة المرض تعمل بشكل متواصل وقد طلبت الوكالة إنشاء مؤسسة تقنية لمربّي النحل وبيان عدد الخلايا بشكل إجباري سنوي وذلك بهدف صحي بحت واتخاذ الإجراءات اللازمة في حالة عدم احترام القواعد، وهذه الإجراءات اللازمة دخلت حيّز التطبيق في أكتوبر الماضي.

أثر المبيدات الحشرية على النحل ليس خافيًا ولكنه يقتصر على حالات تسمم حادة تسبب فيها العلاج خلال فترات الإزهار أو خلل في تصنيع البذور المغلفة.

لكن وحسب الوكالة الفرنسية AFSSA فإن الأثر المزمن للمبيدات الحشرية الذي أشار إليه مربو النحل لا يمثل سببًا رئيسًا، وما هو مؤكد أنّ المشكل الرئيسي في تربية النحل هو ما يسمي بالـ Varoa المتأتية من إندونيسيا.

هذا الكائن الصغير الذي وصل إلى فرنسا في نهاية الثمانينيات تسبب في خسائر فادحة وعملت عولمة التجارة بملكات النحل على انتشار هذا المرض عبر العالم.

وأكد تقرير الوكالة الفرنسية على وجود نسبة قليلة من العلاجات ضد هذه الفطريات وندّد ببعض الممارسات التي تقود مربي النحل إلى استعمال مواد خطرة بالنسبة للنحل.

وبعض الفطريات تتفاعل مع الـ Varoa داخل خلية النحل، وتراجع الفلاحة البيولوجية لتكثيف الإنتاج الفلاحي يمثل أيضًا أحد أسباب موت النحل المذكورة في التقرير هذا إضافة إلى التلوث البيئي، فالنحلة أيضًا من النوع الأهلي وهي كائن رقيق جدًا وحشرة اجتماعية وليست بقرة تنتج عسلاً.

خلية النحل

ضمن أسباب انقراض النحل أيضًا، تلقيح الملكات منذ السنوات 1980 و1990، فقد دأب عدد من مربي النحل على شراء ملكات نحل من إيطاليا أو القوقاز مفضلين ذلك على النحل الأسود المحلي الأقل إنتاجًا والأكثر شراسة لكن فقدان الكثير من جماعات النحل زاد من تفاقم المشكل.

فهذه التجارة تسببت في الاختلاط الجيني وهذا ما ورد في تقرير الـAFSSA، وهناك القليل من الدراسات العلمية التي واجهت هذه المسألة الصعبة.

وبالرغم من ذلك ملكة النحل تلعب دورًا مركزيًا في حياة الخلية وأثبتت دراستان حديثتان أن الملكة التي يتم تلقيحها من طرف عشرات الذكور تكون مجموعتها أكثر نشاطًا وحيوية وقدرة على الصمود خلال الشتاء من تلك التي يتم تلقيحها من طرف ذكر واحد.

تربية النحل والتلقيح الاصطناعي للملكات الذي يتم اعتماده في عملية الإنتاج أكثر فأكثر يمكن أن تكون له آثار سلبية على حياة جماعات النحل فهذه الممارسات تختصر عدة مراحل من الانتقاء الطبيعي.

انهيار المستعمرات

وفي هذا الصدد، طبقًا لأبحاث جامعة أوريجون وأبحاث منشورة في مجلة Science، فإن أعداد النحل في تناقص رهيب وبمعدّلات سريعة، فحتى الآن سبعة أنواعٍ مهددة بالانقراض بالفعل.

في وقت سابق، كانت الدراسات العلمية تُرجِع ظاهرة انخفاض أعداد النحل إلى عدة أسباب منها استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة والأمراض الفطرية التي تهاجم النحل نفسه وعدم وجود مراعٍ زهرية قريبة الأمر الذي يصيب النحل بالإجهاد نتيجة الطيران لمسافات طويلة لم يعتدها من قبل والتغير المناخي الذي أدى لاضطراب الظروف الجوية التي لم يعتد عليها النحل من قبل.

في مؤتمر لـ”تيدكس” منذ ثلاث سنوات، شاهد الناس هذا المقطع من المؤتمر بشيء من التخوّف، والآن أصبح هذا التخوف واقعًا، ففي الولايات المتحدة وحدها فُقد أكثر من مليوني ونصف المليون نحلة في الفترة من 1945 وحتى 2007، العام الذي اكتُشفت فيه ظاهرة الـ”CCD”.

وعن تعريف ظاهرة الـ”CCD” قالت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) إن النحل (وبالذات نحل العسل) شهد في مناطقه حالات هجرة جماعية لخلايا النحل من قِبَل النحل العامل، حيث تُترك فقط الملكة وبعض الوصيفات، وقد أطلق العلماء على هذه الظاهرة “Colony Collapse Disorder” أو “متلازمة انهيار المستعمرات”.

الغريب أنه لا يوجد أي أثر لاعتداء من حشرات أخرى كالدبابير البريّة مثلاً، ولكن الخلية تكون مهجورة مع الاحتفاظ بالعسل، وبيض النحل كاملاً في الخلايا، والملكة وبعض الوصيفات اللاتي لا يستطعن العيش منفردات فيمتن في النهاية!

ودشّنت وزارة الزراعة الأمريكية “USDA” برنامجًا لمتابعة تطوير مبيدات حشرية غير مضرّة بالنحل، كما حفّزت المزارعين لزراعة محاصيل أخرى غير القمح والذرة المكلفين والخاليين من الأزهار، وشكلت مراكز متفرقة لمتابعة تناقص أعداد النحل، واستزراع مسطحات زهرية على جوانب الطريق.

وطبقًا لما ذكرته الـ”بي بي سي” في تقريرها فإن انقراض النحل يعني اختفاء 70 من أصل مئة نوع من محاصيل غذائية رئيسية في العالم، نتيجة توقّف عملية التلقيح الذي يوفّره النحل لتلك المحاصيل، وبانخفاض محاصيل بقيمة 30 مليار دولار في السنة، قد يُواجه ثلثا سكان العالم خطر الموت جوعًا، وهذه فقط البداية، فمع اختفاء النباتات ستختفي أنواع كثيرة من الحيوانات العاشبة، وهكذا، حتى يُقضى علينا، نحن القابعين في قمّة هرم السلسلة الغذائية.

الهواتف تهدد النحل

لم تقتصر الأسباب المؤدية لانقراض النحل على العوامل الزراعية والبيئية التي تم ذكرها أعلاه بل دخلت التكنولوجيا الحديثة ضمن القائمة، فقد حمّلت دراسة جديدة الإشعاعات المنبعثة من الهواتف الخلوية مسؤولية خفض أعداد النحل في العالم.

ونقلت شبكة “سي. إن. إن” الإخبارية الأمريكية مؤخرًا عن مسؤولين في وزارة الزراعة الأمريكية قولهم إن عدد النحل انخفض في الولايات المتحدة بنسبة 17% العام الماضي.

وكانت الجمعية البريطانية للنحل أفادت في وقت سابق بأن عدد النحل انخفض في المملكة المتحدة بنسبة 17% العام الماضي أيضًا.

ويعتقد باحثون هنود أن الإشعاعات المنبعثة من الهواتف الخلوية مسؤولة عن فقدان بعض النحل، ووضع باحثون في جامعة البنجاب بجنوب الهند هواتف خلوية قرب قفير نحل لمدة ربع ساعة يوميًا وبعد مضي ثلاثة أشهر على ذلك تبين لهم أن النحل توقف عن إنتاج العسل، كما أن البيض الذي تضعه ملكة النحل انخفض بنسبة النصف وتراجع حجم القفير بشكل كبير.

ولا يقتصر الضرر الناتج عن تراجع عدد النحل على إنتاج العسل فحسب، إذ إن هذه الحشرات المفيدة تلقح حوالي 90 محصولاً في العالم يقدر مردودها بنحو 290 مليون دولار في بريطانيا سنويًا و12 بليون دولار في أمريكا.

وأجرى أندرو غولدزوورثي وهو أستاذ علم الأحياء في كلية أمبيريال كولدج في لندن، دراسة عن تأثير الحقول الكهرومغناطيسية وخلص إلى أن الإشعاعات الصادرة عن الهواتف الخلوية قد تؤثر على النحل.

وقال الباحث إن تلك الإشعاعات قد تؤثر على صباغ في النحل اسمه كريبتوكروم تستخدمه الحشرات من أجل مساعدتها على معرفة طريقها والعودة إلى القفير بعد الحصول على غذائها.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12