هل للورقة النقدية قيمة؟

الورقة النقدية لَيس لَها أي قيمة كامنة فيها هيَ بِبساطة قُطعة مِنَ الورق، السيارة لَها قيمة لِأنها تأخذك إلىٰ مكان تُريد، الماء لهُ قيمة فَتَستخدمهُ لِتروي بِهِ ظَمَأك. إلا إذا كُنتَ تَستمتع بِالنظر إلىٰ قُطعة وَرقية عَليها صور أبطال وَطنيين. فَالورقة النَقدية حالها حال أي وَرقة أُخرىٰ حَتىٰ نَقوم نَحن (كَحُكومة وَكَإقتصاد) بِتَعيين قيمة لَها. في هَذهِ المَرحلة تَكتَسب الورقة النَقدية قيمتها لَكنها لَيست بِالقيمة الكامنة وَإنما قيمة يَتم تَعيينها وَالإتفاق عَليها مِن قبل المُستخدمين عالمياً.

الأمر لَم يَكن دائماً بِهَذهِ الشَاكِلَةٍ. فَفي الماضي كانت القُطع النَقدية مَصنوعة مِن مَعادن قيمة كَالذهب وَالفضة، فَقيمة العُملة كانت تَعتمد عَلىٰ قيمة المَعدن المَصنوعة مِنهُ لِأنكَ تَستطيع في أي وَقت تَشاء أن تُذيب قطع النُقود وَتُستخدم المَعدن في صُنع أشياء أُخرىٰ. حَتىٰ مُدة قَريبة كانت العُملة الورقية في العَديد مِن الدول تَرتكز عَلىٰ قاعدة غِطاء الذَهب أو غِطاء الفِضة (Gold or Silver Standard) أو مَزيج بينَ الإثنين (هوَ نِظام يَتم فيهِ إستخدام الذهب كَقاعدة لِتَحديد قيمة العُملة الورقية أي يَتم رَبط العُملة الورقية بِالذهب أو الفِضة) فَتَستطيع وفق هَذا النِظام أن تُستبدل النُقود الوَرقية بِبعض الذَهب وَالفضة وفق سِعر الصَرف الذي تُحددهُ الدَولة.

هَذا النِظام إستمر في أمريكا حَتىٰ عام 1971 عِندما أعلن الرئيس نيكسون (Nexon) إن الحُكومة لَن تَعد تُبادل الدولار الورقي بِالذهب، إما الآن فَإنَ النِظام الإقتصادي الأمريكي يَعتمد عَلىٰ النَقد الإلزامي (Fiat Money) في هَذا النِظام لا يَتم رَبط الوَرقة النَقدية بِأي سِلعة كَما كانَ يَفعل في نِظام غِطاء الذَهب أو الفِضة أي إنَ الوَرقة النَقدية بِجَيبك هيَ مُجرد وَرقة.

الثِقة هيَ ما تُعطي للنَقد الإلزامي قيمتهُ:

نَعود للسؤال الأول لِماذا وَرقة الخَمس دولارات لَها قيمة إذا كانت مُجرد ورقة لا تَختلف عَن أي وَرقة؟ الأمر بَسيط المال جَيد إذا كانت تَوفرهُ مَحدود وَكانَ عَليهِ طَلب مِن قِبل الناس لِأن الناس تَحتاج المال، أنا أُريد المال لِأني أعلم إنَ الأخرين يُريدونه أيضاً، أنا أستخدم المال لِأحصل عَلىٰ البَضائع وَالخَدمات مِن مُزوديها وَهُم بِدَورهم يَستخدمون مالي لِيَحصلون عَلىٰ البَضائع وَالخدمات التي يُريدونها وَهَكذا دَوالَيكَ. فَالسِلع وَالخدمات هوَ ما يَهم الإقتصاد في نِهاية المَطاف، فَالمال يُبرر لِلأشخاص أن يَتخلو عَن بَضائعهم وَيُقدمون خَدماتهم، فَالعامل يَبيع مُجهودهُ العَضلي لِيَكسب المال الذي يَنفقهُ لِشَراء البَضائع أو الخَدمات المُقدمة مِن قِبل الآخرين.

إذاً فَالنِظام المالي يَعتمد عَلىٰ ثِقة مُشتركة مِن قِبل الأشخاص فَطالما نَحن نَثق بِالقيمة المُستقبلية للمال فَعجلة النِظام سَتَستمر بِالحَركة.

النَقد الإلزامي (Fiat Money):

هوَ النَقد (الورقة النقدية) الذي لَيس لهُ أي قيمة كامنة (عادةً تُطلق عَلىٰ الأوراق النَقدية) كَلمة Fiat (إلزامي) أصلها لاتيني وَهيَ صيغة فعل أمر للفعل (Facere) الذي يَعني بِاللاتينية فَليَكن.

النَقد الإلزامي هوَ النَقد الذي تُخلق قيمتهُ مِن قِبل الحُكومة بَدلاً أن تَكون كامنة فيه، لِذلكَ مِن العِبارات الإقتصادية الشائعة (مَدعوم بِكامل إيمان وَأمانة الحُكومة) يَعني إنَ الأوراق النَقدية لَيس لَها قيمة كامنة في ذاتها لَكن عَليك أن تَثق بِقيمتها لِأن الحُكومة تَدعمها.

القيمة المُستقبلية للمال:

ماذا لَو تَزعزعت ثِقتنا بِمُستقبل القيمة النَقدية؟ ماذا لَو آمنا بِأنَ المال لَن تَكون قيمتهُ المُستقبلية كَقيمتهُ اليوم؟ في هَذه الحالة سَيحصل تَضخم (Inflation) الذي يَدفع الناس إلىٰ الرَغبة في التَخلص مِن أموالهم بِأسرع وَقت مُمكن هَذا سَيُصيب الإقتصاد بِبؤس كَبير، فَالناس سَوفَ لَن تَعقد صَفقات تَتَضمن فوائد مُستقبلية لِأنهم غَيرَ واثقين مِن قيمة النَقد في المستقبل، فَالتَضخم يؤثر عَلىٰ الحَركة الإقتصادية بِشَكل فَضيع، إبتداءً مِنَ المَقاهي التي سَتُغير أسعارها كُل بِضع دَقائق إلى رَبات البِيوت التي سَتأخذ عَربة يد مُحملة بِالمال إلىٰ الخَباز لِشِراء رَغيف مِنَ الخُبز.

الإيمان بِقيمة ثابتة للنَقد لَيسَ بِالأمر الحَميد، إما إذا فَقد الناس ثِقتهم بِعَرض النَقد أو آمنوا بِأنَ المال سَيكون قيمتهُ أقل في المُستقبل فَذلكَ سَيؤدي إلى بُطئ الحَركة الإقتصادية وَتَوقفها. وَهَذا أحد الأسباب الرَئيسية الذي يَدفع الحَكومة الأمريكية للعَمل بِجد عَلىٰ المُحافظة عَلىٰ مُستوىٰ التَضخم تَحتَ السَيطرة. في الحَقيقة إنَ التَضخم القَليل أمر مُستحسن إما التَضخم الكَبير فَهوَ كارثي.

إنَ قيمة أي سِلعة تُحدد بِمِقدار العَرض وَالطَلب عَليها وَكَذلكَ العَرض وَالطَلب عَلىٰ السِلع الأُخرىٰ، إنَ سِعر أي سِلعة هوَ كَمية المال الذي تَحتاجهُ لِشِرائها، يَحصل التَضخم عِندما يَزداد سِعر السِلعة بِعِبارة أُخرىٰ عِندما تُصبح قيمة المال أقل مِن قيمة السِلعة، يَحدث هَذا عِندما:

  • يَزداد عَرض النُقود.
  • يَقل عَرض السِلع.
  • يَقل الطَلب عَلىٰ النقود.
  • يَزداد الطَلب عَلىٰ السِلع.

السَبب الرَئيسي للتَضخم هوَ زيادة في عَرض النُقود، كَما يُمكن أن يَحصل لِأسباب أُخرىٰ. عِندما تُدمر كارثة طَبيعية المَتاجر بَينما تُبقي عَلى المَصارف سَليمة سَنَتوقع أرتفاع في أسعار السِلع كَونها الآن نادرة مُقارنة بِالنقود، لَكن هَذهِ الحالات نادرة. فَالسبب الرَئيسي للتَضخم كَما أسلفنا هوَ زيادة في عَرض النُقود غير مُنسجمة معَ الزيادة في عَرض السِلع.

ترجمة: عقيل فاضل

تدقيق لغوي: علي فرج

المصادر: 1