دراسة عصبية جديدة تحل شفرة تثبت وجود الوعي

توصلت دراسة إلى أن دماغًا واعيًا تعامل مع إشارات واضحة ومتداخلة.

كشف العلماء عن العلامة الجديدة للوعي من خلال تحليل نشاط الدماغ للأشخاص الأصحاء والأشخاص الذين لم يكونوا على بينة من محيطهم.

والنتيجة، التي نشرت على الإنترنت في 6 شباط / فبراير في Science Advances، تحرز تقدمًا في هذه المشكلة الصعبة: كيفية قياس الوعي بدقة لدى المرضى الذين لا يستطيعون التواصل.

تم اقتراح طرق أخرى لقياس الوعي، ولكن بفضل حجمها وتصميمها، تمكنت الدراسة الجديدة من العثور على إشارة قوية بشكل خاص. أجرى فريق دولي من الباحثين في أربعة بلدان، وأنتجت هذه الجهود “نتائج واضحة وموثوقة ذات صلة مباشرة بعلم الأعصاب السريري للوعي”، كما يقول عالم الأعصاب الإدراكي مايكل بيتس من كلية ريد في بورتلاند، أورا. الوعي وكيف يخلقه الدماغ – هو مفهوم اسفنجي. ينزلق بعيدا عندما ننام، ويمكن أن يتشوه بالمخدرات أو يفقد في الحوادث. على الرغم من أن العلماء قد اقترحوا العديد من التفسيرات البيولوجية لكيفية خلق أدمغتنا وعيهم، إلا أن التعريف الكامل لا يزال عصيًا على العلماء.

من خلال العثور على توقيع واضح للدماغ، فإن العمل الجديد “يقربنا من فهم ما هو الوعي”، كما تقول الدراسة التي شارك في تأليفها جاكوبو سيت من INSERM في باريس. فحص Sitt وزملاؤه بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفية التي استحوذت على نشاط الدماغ لـ 125 شخصًا وهم يستريحون داخل ماسحات ضوئية في معاهد الأبحاث في باريس ونيويورك سيتي ولييج في بلجيكا.

كان سبعة وأربعون من هؤلاء الأشخاص يتمتعون بصحة جيدة. أما الباقون فكانوا يعانون من متلازمة اليقظة غير المستجيبة، حيث كانت أعينهم مفتوحة ولكن لم تظهر عليهم أي علامات على الوعي، أو كانوا في حالة واعية إلى الحد الأدنى، حيث يمكنهم اتباع تعليمات بسيطة مثل نقل عيونهم عندما يطلب منهم.

ظهر نمطان متميزان من نشاط الدماغ. الأول كان نمطًا معقدًا يتميز جزئياً بالأضداد. عندما كانت بقعة عصبية نشطة، لم يكن الآخرون كذلك. هذا النمط المعقد لم يتبع أيضًا تشريح الدماغ؛ إشارات تحركت مثل كرة لعبة المنضدة بعيدا عن اتصالاتهم التشريحية. كان النمط الثاني أبسط وأكثر تقيدًا بتشريح الدماغ. (وجد العلماء أنموذجين آخرين، لكن تلك لم تتطابق مع الوعي). لقد وجدت أدمغة الأشخاص الذين كانوا على وعي تام المزيد من الوقت في عرض النمط المعقد، كما وجد ست وزملاؤه. قضى الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بمتلازمة الاستيقاظ غير المستجيبة أكثر من وقتهم في النمط البسيط، في حين أن أولئك الذين هم في حالة الوعي الأدنى قسّموا الفارق، وقضوا الوقت في كلا الحالتين بدرجات متفاوتة.

بحث الباحثون عن هذه الإشارات في مجموعة من 11 مريضا في لندن، كندا، وبعضهم كانوا واعين ولكنهم غير قادرين على التواصل. من المؤكد أن المرضى الذين كانوا على دراية بمحيطهم أمضوا المزيد من الوقت في الحالة المعقدة لنشاط الدماغ.

والأكثر من ذلك، عندما تم تخدير مجموعة مختلفة من 23 مريضا، أمضت أدمغتهم وقتا أقل في الحالة المعقدة، مما يوحي بأنها تأتي مع حالة الوعي. ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتنقلون بين الحالتين المتميزتين في بعض الأحيان.

ويضيف الفريق أن أدمغة الأشخاص الأصحاء تنزلق في بعض الأحيان إلى شكل بسيط من السلوك، ربما يمثل “الفراغات الذهنية” المؤقتة. وعرض المرضى اللاواعيين النمط المعقد بين الحين والآخر. لا يعرف الباحثون حتى الآن ما إذا كانت اللقطات القصيرة تأتي مع زيادة مؤقتة في الوعي لدى هؤلاء المرضى، حسب قول سيت. إذا كان الأمر كذلك، “أليست هي نافذة فرصة للتواصل؟” يسأل.

اعتماد إطار ديناميكيات الدماغ باعتبارها حجر الزاوية في الوعي الإنساني، توصلنا إلى ما إذا كان تنسيق الإشارة الديناميكي يوفر أنماط محددة وعامة متعلقة بحالات الوعي واللاوعي بعد تلف في الدماغ.

تاريخ الوعي:

منذ أن نشر تشارلز داروين Charles Darwin كتابه في أصل الأنواع عام 1859، أصبح التطور بمثابة القاعدة التي تجمع نظريات الأحياء. يمثل الوعي أحد أهم السمات الحيوية الأساسية لدى البشر، وعلى الرغم من أهميته تلك، فإن دراسته نادرة في سياق التطور.

لذلك نجد معظم النظريات التي تفسر الوعي تأتي من الأديان والفلسفة والعلوم المعرفية، لكن قلَّما نجد نظرية على أسس حيوية تطورية. ربما لهذا السبب نجد عددًا محدودًا جدًا من النظريات التي تجيب على أسئلة أساسية من مثل: ما هي القيمة التأقلمية للوعي؟ متى تطور؟ وهل لدى الحيوانات وعي أيضا؟

تعتبَر “نظرية مخطط الانتباه” Attention Schema Theory (AST) والتي ظهرت في السنين الخمس الماضية، إحدى هذه النظريات التي تُجيبنا على هذه الأسئلة، حيث تفترض النظرية أن الوعي نشأ كحلٍّ لإحدى أهم المشاكل الأساسية التي تواجه أي جهاز عصبي؛ ألا وهي تدفق كم هائل من المعلومات التي يجب أن تُعالَج معالجة كاملة، وهذا هو ما دفع الدماغ كي يطور ويزيد من تعقيد آليات المعالجة، من أجل أن يتمكن من معالجة بعض المعلومات معالجة عميقة على حساب معلومات أخرى، ووفقاً لهذه النظرية فإن الوعي هو النتيجة النهائية لهذا التتابع التطوري. إذا كانت هذه النظرية صحيحة -وهو ما لمّا تَثبُتْ صحته بعد- فيمكن اعتبار أن الوعي تطور تدريجياً على مدار النصف بليون سنة الماضية، كما أن ذلك يعني أيضًا أنه يوجد في بعض الأنواع من الفقاريات.
العصبونات تشبه مرشحي الانتخابات؛ كلٌّ يسعى لإسكات الآخر

استغل الجهاز العصبي خدعة حوسبية بسيطة، وذلك حتى قبل تطور الدماغ المركزي نفسه. ولتوضيح ذلك، دعنا نشبِّه العصبونات بمرشحي الانتخابات؛ كل منهم يصرخ في محاولة لإسكات الآخر، وفي كل لحظة من اللحظات لا يفوز إلا القليل من العصبونات في هذه المنافسة الشرسة، حيث ترتفع إشارتهم الخاصة فوق مستوى التشويش noise (الذي تسببه باقي الخلايا) وتصبح الخلايا الفائزة لها القدرة على التأثير في سلوك الحيوان. تسمى هذه العملية بـ “التعزيز الانتقائي للإشارات” Selective signal enhancement والتي بدونها لا يمكن للجهاز العصبي أن يقوم بأي شيء تقريباً.

يمكننا أن نخمن جيداً متى بدأ تطور التعزيز الانتقائي للإشارات عن طريق مقارنة الأنواع المختلفة من الحيوانات، وهي طريقة شائعة في مجال الأحياء التطورية، سنستخدم في تجربتنا الهيدرا وهو أحد أقارب قنديل البحر البسطاء، والذي يمتلك أبسط جهاز عصبي معروف، فهو يمتلك ما يعرف بالشبكة العصبية Nerve Net. إذا قمت بوخز الهيدرا في أي مكان فسيعطي استجابة عامة تشمل جميع أجزاء جسمه وهذا ما يثبت عدم وجود أي نوع من المعالجة الاختيارية، والتي -لو وُجدت- فإنها من المفترض أن تُمكن الهيدرا من الاستجابة لبعض الوخزات وتجاهل الأخرى. وفقاً للتحليل الجيني فإن الانفصال بين أسلاف الهيدرا والحيوانات الأخرى ربما حدث منذ 700 مليون سنة. وعلى الأرجح أن أول تعزيز انتقائي للإشارة حدث بعد ذلك.

أما المفصليات فتُعتبر عيونها من أفضل الأمثلة على التعزيز الانتقائي للإشارة؛ فهي تزيد من حدة الإشارات الخاصة بحواف الصورة وتقلل من حدة باقي الإشارات البصرية، مولدة مخططًا للعالم من حولها. وبناءً على ذلك فإنه من المفترض أن يكون التعزيز الانتقائي قد نشأ في وقت ما بين نشوء الهيدرا والمفصليات أي قبل حوالي 700 إلى 600 مليون سنة، في وقت قريب من بداية الحياة المعقدة لمتعددات الخلايا. وهذا التعزيز الانتقائي للإشارة هو آلية بدائية جداً حتى إنه لا يتطلب جهازًا عصبيًا مركزيًا. لذلك نجد أن العين وشبكات حواس اللمس في الجسم والجهاز السمعي، كلٌ له آليته المحلية لتركيز الانتباه على عدد قليل من الإشارات المختارة.

وكانت الخطوة التطورية التالية آنذاك تتمثل في متحكم مركزي للانتباه، وهو متحكم يمكنه التنسيق بين كل الحواس. وهذا المتحكم المركزي يتمثل في معظم الحيوانات بتركيب دماغي يدعى “السقف” Tectum (كلمة “Tectum” تعني “السقف” باللاتينية وغالباً ما تغطي قمة الدماغ ). وهذا “السقف” يُنظم ما يسمى بالانتباه الجليّ “overt attention” – موجهاً مستقبلات الإحساسات في كل من العين والأذن والأنف لتهتم أكثر بالأشياء المهمة.

تمتلك كل الفقاريات -الأسماك والزواحف و الطيور والثدييات- سقفًا دماغيًا. حتى الأنقليس “lampreys” لديه واحد بالرغم من أن الأنقليس قد ظهر مبكراً لدرجة أنه لا يمتلك فكًا سفليًا. لكن وكما يعلم الجميع، فإن اللافقاريات ليس لديها سقف دماغي، وهذه الحقيقة (القائلة أن الفقاريات لديها سقف دماغ، وأن اللافقاريات تفتقده) قد تعيننا على حصر الفترة التي تطور فيها السقف. تبعاً للدلائل الأحفورية والجينية، فإن الفقاريات تطورت منذ نحو 520 مليون سنة. ومن المحتمل أن يكون السقف، والتحكم المركزي بالانتباه قد نشأ بعد ذلك، أثناء ما يسمى بالانفجار الكامبري Cambrian Explosion عندما كانت الفقاريات مخلوقات صغيرة ملتوية الحركة، وتتنافس مع أعداد كبيرة من اللافقاريات في البحر.

حتى عندما تدير ظهرك للأشياء، يمكن للقشرة الدماغية تركيز مواردها على تلك الأشياء

يعد “السقف” تحفة هندسية جميلة. ومن أجل أن تحقق هذه التحفة الهندسية تحكمًا فعالًا بالرأس والعينين، يبني “السقف” ما يعرف بالنموذج الداخلي [1] “internal model”، وهي خاصية معروفة للمهندسين. ولتبسيط ذلك: النموذج الداخلي هو عملية محاكاة تتابع كل ما يقوم الدماغ بالتحكم به وتحاكيه من أجل توقع نتائجه، وبذلك يتيح النموذج الداخلي عمليتي التوقع والتخطيط. أما النموذج الداخلي للسقف فهو مجموعة من المعلومات المشفرة على شكل نمط معقد من النشاط العصبي في العصبونات. وهذه المعلومات تحاكي الحالة الحالية للعينين والرأس والأجزاء الرئيسة الأخرى في الجسم، مكونة بذلك تنبؤات عن الكيفية التي ستتحرك بها هذه الأعضاء في المرحلة التالية، وتنبؤات كذلك عن عواقب حركتها هذه. فعلى سبيل المثال، إذا حركت عينيك لليمين، من الطبيعي أن ينزاح العالم الذي تبصره عبر الشبكية نحو اليسار بطريقة يمكن التنبؤ بها، وتكون وظيفة السقف هي مقارنة الإشارات البصرية المتوقعة مع المدخل البصري الفعلي، من أجل التحقق مما إذا جرت حركتك كما هو مخطط لها أم لا. هذه العمليات من الحوسبة معقدة بشكل هائل، ومع ذلك فإنها تستحق ما يُصرف عليها من الطاقة من أجل الفائدة التي نحصل عليها في التحكم بالحركة. في الأسماك والبرمائيات، يكون السقف أكثر الأجزاء المعقدة في الدماغ، ويكون كذلك الجزءَ الأكبر في الدماغ. وبالنسبة للضفدع فإنه يملك محاكاة جيدة جدًا لحركاته.

مع تطور الزواحف قبل حوالي 350 إلى 300 مليون سنة، بدأ تركيب دماغي جديد بالظهور، ألا وهو البارزة السهمية [the Wulst” [2″. وهذا التركيب الدماغي موجود لدى الطيور الآن، وقد ورثته الطيور من أسلافها من الزواحف. وكذلك حصل مع الثدييات، ولكن النسخة التي حصلنا عليها نسميها القشرة الدماغية cerebral cortex، وقد توسعت بشكل كبير بعد أن ورثناها. وهي التركيب الدماغي الأكبر في دماغ الإنسان (ربما تسمع بعض الأشخاص أحيانًا يشيرون إلى دماغ الزواحف على أنه الجزء الذي يبقى من الدماغ بعد أن تزيل عنه القشرة، ولكن هذا ليس صحيحًا). قشرة الدماغ هذه تتحدر من “النتوء السهمي” للزواحف، وبذلك فإن المرجح أن الزواحف لها من الذكاء أكثر مما نعزوه إليها.

يمكن اعتبار القشرة على أنها نسخة أخرى من “السقف” إلا أنها أرقى. كما أن السقف لدينا مدفون بداخل الدماغ أسفل القشرة، ومع ذلك فإنه يقوم بنفس الوظائف التي يقوم بها في الأسماك وفي البرمائيات. ولنأخذ مثالًا على طريقة عمل السقف، لنفرض أنك سمعت صوتًا مفاجئًا أو رأيت حركة بزاوية عينك، فإن السقف لديك يوجه نظرك نحوه بسرعة وبدقة. أما القشرة الدماغية، فإنها أيضًا تحصل على الإشارات الحسية وتنسق الحركة، ولكنها أكثر مرونة من حيث مخزنُ المعلومات لديها. وبناء على التعليمات من القشرة، قد تنظر باتجاه الحدث أو بعيدًا عنه، أو ربما تصدر صوتًا، أو تقوم برقصة معينة، أو أنك تقوم فقط بتخزين الحدث الحسي هذا في الذاكرة إن كانت هذه المعلومات مفيدة في المستقبل.

الفرق الأوضح بين القشرة الدماغية وبين السقف قد يكون نوع الانتباه الذي يتحكم به كل منهما؛ فالسقف هو سيد التحكم بالانتباه الجليّ overt attention (موجهًا الجهاز الحسي باتجاه أي شيء مهم)، أما القشرة فتزيد ما يعرف بالانتباه الخفي covert attention؛ فأنت مثلًا لا تحتاج لأن تنظر مباشرة إلى شيء ما من أجل أن تنتبه له “بشكل خفي”؛ فحتى لو أدرت ظهرك عن شيء ما، ستبقى القشرة قادرة على تركيز مواردها في معالجة المعلومات على هذا الشيء. ويشابه العلماء أحيانًا ما بين الانتباه الخفي وبين بقعة الضوء (وهي مشابَهة اقترحها أولًا عالم الجينات فرانسيس كريك Francis Crick)؛ ففي هذه المشابهة يمكن لقشرتك الدماغية أن تحول الانتباه الخفي من النص الذي تقرؤه أمامك إلى الشخص الجالس بجانبك، ثم إلى الأصوات الموجودة في الباحة الخلفية، ثم إلى فكرة ما أو ذكرى معينة. وبهذا يمكن اعتبار الانتباه الخفي على أنه تحويل المعالجة العميقة للمعلومات من عنصر ما إلى آخر.

تحتاج القشرة إلى أن تتحكم بهذه الحركة الافتراضية، وبالتالي فإنها تحتاج إلى نموذج داخلي (حالها كحال أي متحكم فعال). وبعكس السقف -الذي يضع نماذج لعناصر حقيقية كالعينين والرأس- فإن القشرة يجب عليها أن تضع نماذج لأشياء أكثر تجريدًا. وبحسب نظرية مخطط الانتباه، فإنها تقوم بذلك عن طريق بنائها لمخطط انتباه attention schema (وهو مجموعة من المعلومات يتم تحديثها بشكل مستمر، وتصف ما يقوم به الانتباه الخفي لحظة بلحظة وتحدد ما هي العواقب المحتملة).

ثمة شيء غير ملموس بداخلي. ليس بعين ولا برأس ولا ذراع. شيء بلا مادة لننظر إلى تجربة فكرية (وإن كانت بعيدة الاحتمال). لنفرض أنه بإمكانك أن تصل تمساحًا بجهاز خارجي يجعله قادرًا على الكلام، وهذا الجهاز يستطيع الوصول إلى المعلومات الموجودة في مخطط الانتباه الموجود في “النتوء السهمي” لهذا التمساح، فإنك قد تسمع هذا التمساح المزود بهذه التقنية يقول: “لدي شيء غير ملموس بداخلي. ليس بعين ولا برأس ولا بذراع، ويوجد ولا مادة له. هذا هو ‘الامتلاك العقلي’ للأشياء عندي، وهو يتحرك من مجموعة أشياء إلى مجموعة أخرى. وعندما تمسك هذه العملية الغامضة بشيء ما، فإنها تتيح لي أن أفهم، وأن أتذكر، وأستجيب”.

وبالطبع سيكون هذا التمساح على خطأ؛ ذلك أن الانتباه الخفي ليس بالأمر غير الملموس؛ لأن له أساسًا فيزيائيًا محسوسًا، ولكن هذا الأساس الفيزيائي موجود على شكل تفاصيل مجهرية في العصبونات والتشابكات والإشارات العصبية. أما الدماغ فلا حاجة له في أن يعلم بتلك التفاصيل. وبذلك يكون مخطط الانتباه مبهمًا بشكل استراتيجي. كما أن مخطط الانتباه يصور الانتباه الخفي بصورة لامترابطة فيزيائيًا، يصورها على أنها وجود بجوهر ذي سمة لا فيزيائية. وهذا -بحسب النظرية- هو أصل الوعي. نحن نجزم أننا نملك وعيًا لأن هناك شيئًا ما في أعماق الدماغ، شيئًا بدائيًا جدًا يقوم بإدراك هذا الوصف الذاتي لكل شخص (وهو وصف سحري إلى حد ما). وللأسف، فإن التماسيح لا يمكنها أن تتكلم، ولكن في هذه النظرية سيكون لها على الأرجح هيئة مبسطة عن مخطط الانتباه.

عندما أفكر في التطور، يذكرني ذلك بالقول المشهور لتيدي روزيفيلت Teddy Roosevelt “افعل ما تستطيع فعله بما تملكه، وفي المكان الذي تكون فيه”. التطور هو سيد الانتهازية؛ حيث تصبح فيه الزعانف أرجلًا، والخياشيم فكوكًا، والنماذج عن النفس تصبح نماذج عن الغير. وتفسير هذه الأخيرة بحسب نظرية مخطط الانتباه هو أن مخطط الانتباه تطور في البداية كنموذج للانتباه الخفي للشخص ذاته. وبعد أن صارت أسس هذه الآلية البسيطة مرسخة، تكيفت هذه الآلية لتشتمل على تشكيل نماذج للحالات الانتباهية للآخرين، من أجل أن تسمح بوجود “تنبؤ اجتماعي” للآخرين. فلا يقتصر الأمر على أن يعزو الدماغ الوعي إلى نفسه، وإنما يعدو الأمرُ ليشمل عزْوَ الدماغ الوعيَ إلى الآخرين.

إذا كانت هذه القابلية في عزو الوعي للآخرين موجودة في الثدييات والطيور، فهل كانت موجودة في سلفهما المشترك، الزواحف؟

عندما يدرس علماء النفس المعرفة الاجتماعية social cognition، فإنهم غالبًا ما يركزون على شيء يدعى “نظرية العقل” theory of mind، وهي قابلية الشخص على أن يفهم ما يُحتمل وجوده في عقل الآخر. وبعض الأمثلة المعقدة المتعلقة بهذا الأمر محصورة في البشر والقردة. ولكن التجارب تُظهر أن الكلب مثلًا يمكنه أن ينظر إلى كلب آخر وأن يستنتج إجابة السؤال التالي: “هل هو مدرك لوجودي؟”. يظهر كذلك أن نظرية العقل يمكن تطبيقها بشكلٍ رائع على الغربان؛ فإذا خبأ غراب ما طعامًا عندما يكون غراب آخر يراقبه، فإن الأول ينتظر حتى يغيب الغراب الثاني، ثم يخبئ نفس الطعام مرة أخرى، وكأنه قادر على الإحساس بأن الغراب الآخر يدرك وجود موقع التخبئة الأول وليس الثاني. إذا كانت القابلية الأساسية لعزو الوعي للآخرين موجودة في الثدييات والطيور، فإن هذه القابلية قد تكون تحدرت من سلفهما المشترك، الزواحف. وبحسب القصة التطورية الخاصة بنظرية مخطط الانتباه، يبدأ الإدراك الاجتماعي بالظهور بشكل واضح بعد فترة وجيزة من نشوء النتوء السهمي لدى الزواحف. قد لا تكون التماسيح هي أكثر المخلوقات على الأرض من حيث التعقيد الاجتماعي، ولكنها تعيش في مجتمعات كبيرة وتعتني بصغارها، ويمكنها أن تكون مخلصة مع أنها خطيرة بعض الشيء.

إذا كانت نظرية مخطط الانتباه صحيحة، فإن النموذج الذاتي، والنموذج الاجتماعي قد تطورا بشكلٍ مترادف، يؤثر كل منهما على الآخر، على مدى 300 مليون سنة من تطور الزواحف والطيور والثدييات. يأتي فهمنا للآخرين عن طريق إسقاط أنفسنا عليهم، ولكننا كذلك نفهم أنفسنا عن طريق التفكير في الطريقة التي يمكن للآخرين أن يروننا بها. تشير البيانات الموجودة في المختبر الذي أعمل به أن الشبكات العصبية في الدماغ البشري -تلك التي تسمح لنا أن نعزو الوعي للآخرين- تتداخل بشكل كبير مع الشبكات التي تبني لنا حس الوعي الذاتي.

لربما كانت اللغة هي القفزة الكبيرة الأحدث في تطور الوعي. لا أحد يعلم متى تطورت اللغة، ولكن المؤكد أنها كانت موجودة لدينا قبل 70 ألف سنة عندما بدأ البشر بالانتشار حول العالم، وذلك ﻷن كل المجموعات التي تفرقت كانت لها لغة معقدة. أما العلاقة ما بين اللغة والوعي فهي علاقة مختلف عليها أحيانًا، ولكننا متأكدون على الأقل من التالي: في الوقت الذي تطورت فيه اللغة لدينا، أضحى بإمكاننا الحديث عن الوعي وأن نتبادل الأفكار عنه. يمكننا أن نقول بصوت عالٍ: “أنا واعٍ بالأشياء، والأمر نفسه عند هذا، وكذلك عند هذه، وكذلك عند هذا النهر اللعين الذي حاول مسح قريتي عن الوجود”.

إذا سمعت حفيف الريح وظننت ذلك أسدًا، فلا ضير. أما إذا فشلت في اكتشاف وجود أسد حقيقي فإنك ستموت، وستُقصى جيناتك من تجميعة الجينات الكلية.

ربما كانت اللغة والثقافة هما السبب (ولو جزئيًا) في ميل البشر بشكل كبير إلى عزو الوعي لكل شيء حولهم؛ فنحن نعزو الوعي إلى الشخصيات في القصة، والدمى والرياح والأنهار والمساحات الفارغة والأشباح. وهذا ما يدعوه جستن باريت Justin Barret بالأداة مفرطة النشاط الكاشفة عن القوى العاملة [3] Hyperactive Agency Detection Device (HADD). وأحد التخمينات التي يمكن استنتاجها من هذا المبدأ هو أنك خير حالًا حين تكون آمنًا منك حين تكون نادمًا “it’s better to be safe than sorry”؛ فلو سمعت حفيف الريح في العشب، وفهمت ذلك (خطأً) على أنه أسد، فلا ضير في ذلك. أما لو فشلت في اكتشاف وجود أسد فعليا، فإن مصيرك يغلب عليه الموت، وستُقصى جيناتك من تجميعة الجينات gene pool. وبالنسبة لي على أي حال، يمتد أثر الـ HADD إلى ما وراء اكتشاف المفترسات والانتباه إلى وجودها؛ فهذا المبدأ هو نتاج طبيعتنا المغالية في اجتماعيتها. ونستطيع القول أن التطور زاد من مدى نزعتنا وميلنا لأن نبني نماذج للآخرين. والآن، نحن متأقلمون مع الحالات العقلية للآخرين أيما تأقلم. وهذا ما يعطينا أفضلية في التكيف والمواءمة. والأثر الجانبي الذي نتج عن ذلك هو أثر لم يكن لنا أن نتجنبه بأي حال، وهذا الأثر بالتحديد هو نزعتنا لأن نكتشف الإيجابية الكاذبة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12