ملحمة الجهاز المناعي والأجسام الدخيلة!

داخل جسمك هناك ملحمة مليونية على غرار ملاحم الحروب العالمية العظمى

لأنك دائما هدف الملايين من البكتريا والفايروسات التي تحاول استيطان جسمك عنوة، وفي كل زاوية من حياتك خطر عليك، فقد طور جسمك جيشا دفاعيا فائق التعقيد يسمى بالجهاز المناعي يتكون من حراس وجنود واسلحة واستخبارات رهيبة بتكتيكات عظيمة، بهدف ابقاءك في امان وصحة جيدة. ومن الصعوبة بمكان التحدث عن تعقيد الجهاز المناعي في مقال هدفه الايجاز، لذا سنتحدث عن الملحمة التي تدور بين آن واخر بين الجهاز المناعي والمتطفلين غير المرحب بهم (سنركز على البكتريا).

هل مررت يومًا بصباح جميل توقف عن كونه جميلا حين آذيت نفسك بسكين أو ما شابه! أغلب الظن أن جل تفكيرك حينها كان في تعقيم الجرح وتضميده، لكن هل تساءلت ماذا يحدث على المستوى الخلوي؟ وما آلية الدفاع في المستوى المجهري؟ بكثير من التبسيط ينقلك هذا المقال الى ساحة الجرح للتعرف على الحرب بين البكتريا والجهاز المناعي.

بمجرد ما يُكسر أول حاجز للجهاز المناعي (الجلد) تنتهز البكتريا الفرصة لتتسلل إلى داخل الجسم، ولصغرها لا يكتشفها الجسم حتى تستهلك طاقته وتتكاثر فتصل إلى عدد معين تبدأ عنده بغزو الجسم لينتبه الجهاز المناعي لها ويبدأ اولى الخطوات الدفاعية.

وسرعان ما تتدخل الخلايا الدفاعية المعروفة ب(البلعم- ماكروفيج- macrohpage) وهي خلايا تنتشر في كل الجسم بقطر كبير نسبيا (21 مايكرومتر) ومعظم الوقت تكون كافية للقضاء على الدخلاء لأن كل منها يستطيع التصدي لمئة دخيل في ذات الوقت عن طريق ابتلاعهم وحجزهم في الغشاء الداخلي لها لتقوم الإنزيمات بقتلها (تحليلها) لكنها في نفس الوقت تسبب الالتهاب الذي تراه في مكان الجرح كورمٍ بسيط وهو في الحقيقة ليس إلا طلب هذه البلاعم من الوعاء الدموي ضخ الماء لتسهيل قتل الدخلاء.

لكن عندما تستمر البلاعم بالحرب لفترة طويلة تقوم بإفراز (بروتين رسول- messenger protien) ينقل موقع الحدث ورسالة طلب دعم عاجل، تلبي ندائها دوريات ال(العدلات الدموية -نيوتروفايلس- neutophils) التي تجوب مجرى الدم فتتحرك الى ساحة المعركة، وتحارب بشراسة شديدة لدرجة إنها تقتل بعض الخلايا السليمة أيضًا، كما أنها تنشئ حواجزًا لمنع البكتريا من الانتشار وقتل ما يمكن منها، ولشراسة هذه الخلايا فهي مبرمجة لتنتحر (تحلل نفسها) بعد خمسة أيام من اطلاقها كي لا تسبب ضررًا للأنسجة السليمة.

ولو -لسوء حظ الدخيل- كان هذا غير كاف سيتدخل عقل الجهاز المناعي ليفعل ال(خلايا التَغَصُّنية- ديندريتك سيل- dendritic cell) التي تتفاعل مع اشارات الجنود على الأرض وتبدأ بتجميع عينات من اجسام الدخلاء ثم تتخذ إجراءا من إثنين، إما أن تصدر الأمر إلى جيش مضاد الفايروسات في الجسم ليبيد كافة الخلايا المتضررة أو يستدعي جيشًا من قاتلي البكتريا!

وفي حالتنا هذه سيحتاج إلى القوات المضادة للبكتريا، لذا تسافر إلى أقرب (عقدة لمفاوية -ليمف نود- lymph node) وتمضي ما يقارب اليوم في هذه الرحلة لتصل أخيرا إلى العقد اللمفاوية حيث تتواجد مليارات من خلايا تي المساعدة والقاتلة (T-Cells) بانتظار أوامر التحرك والانخراط في المعركة (تنتظر التفعيل).

وبمجرد أن تجد الخلايا التغصنية خلية تي تطابق مواصفات العينة التي أخذتها من أجسام الدخلاء يبدأ تفاعل متسلسل يفعل خلايا تي ويجعلها تستنسخ نفسها آلاف المرات لتصبح جيشا يتكون من ثلاثة فروع الاول يسمى (خلايا ذاكرة نوع تي) وهذا يظل في العقدة اللمفاوية ليجعلك منيعا من هجمات مشابهة في المستقبل، والفرع الثاني يتحرك إلى ساحة المعركة كتعزيز للبلاعم والعدلات ضد البكتريا الدخيلة، أما الفرع الثالث فهو يلعب الدور الأكبر والأهم في كل المعركة إذ يتحرك إلى مركز العقدة اللمفاوية باحثا عن خلايا أخرى لكن هذه المرة من نوع بي (B-Cells).

وحين تجد خلية مطابقة للمعايير المطلوبة يحدث تفاعل متسلسل آخر ينتهي بتفعيل الخلايا من نوع بي فتتناسخ سريعا وتطلق ملايين الأسلحة الأصغر بجهد شديد يجعلها حرفيًا تموت من الارهاق وهنا يأتي الدور الثاني للفرع الثالث من خلايا تي إذ تقوم بتحفيز خلايا بي ودعمها لتظل في الساحة فترة أطول، فتستمر هذه الخلايا بإطلاق هذه الملايين من صغار الاسلحة المعروفة أيضا بالأجسام المضادة وهي بروتينات مصممة للالتصاق بسطح الاجسام الدخيلة (البكتريا)، وهناك انواع كثيرة من هذه الاجسام بوظائف متعددة لكن خلايا تي هي التي تحدد ايها مطلوب وترسل اشارة الى الخلايا البلازمية لإشراك النوع المطلوب في القتال! وسرعان ما تتدفق الملايين منها مع الدم وتشبِّع الجسم.

في هذه الاثناء تكون الحرب في ذروتها إذ أن البكتريا كانت تتضاعف منذ دخولها حتى اصبحت ترهق الجسم، ورغم أن الخلايا الدفاعية الموجودة هناك (البلاعم والعدلات) ما زالت تقاتل لكنها تموت في المقابل، ورغم أن خلايا تي تحفزها على البقاء اكثر لكن من دون دعم اضافي لا تستطيع هذه القوات دحر البكتريا الدخيلة، وهنا يتدخل خط الدفاع النهائي بدخول مليارات الاجسام المضادة القادمة من خلايا بي ما يسبب موت البكتريا الدخيلة او اصابتها بشلل يمكّن بقية الخلايا المقاتلة من تدميرها بسهولة. فتنقلب الكفة لصالح الجهاز المناعي وينتهي التلوث البكتيري بفضل المجهود الجماعي العظيم لهذا الجهاز.

وفي هذه النقطة تكون ملايين الخلايا قد ماتت بالفعل، لكن هذا ليس بالأمر الجلل اذ سيجددها الجسم سريعا. وحين تنتفي الحاجة الى الجيش المتبقي في الساحة سينتحر ذاتيا ليجنب الجسم اي استهلاك غير ضروري للطاقة، لكن بعض الخلايا تبقى حية وهي خلايا الذاكرة من نوع بي وتي، وفائدتها انها تجعلك منيعا ضد هذا النوع من البكتريا وفي المستقبل ستقتله قبل ان تلاحظ حتى!

وهكذا تنتهي الملحمة بين البكتريا الدخيلة والجهاز المناعي، فقط تخيل حجم التعقيد في هذا الجهاز برغم اننا لم نتطرق الا الى جزء بسيط منه ولم نذكر اي من التفاعلات البايوكيميائية وحتى أهملنا دور بعض الخلايا المشاركة!

ترجمة: موسى جعفر

المصادر: 1