كيف أنقذت ميكانيكا الكم فهمنا للماضي والمستقبل من تهديد الثقوب السوداء؟

تم تأسيس مبادرة الثقب الأسود (BHI) بعد 100 عام من حل كارل شفارتسشيلد عالم الفيزياء والفلك الألماني لمعادلات أينشتاين للنسبية العامة – وهو الحل الذي وصف الثقوب السوداء قبل عقود من أول دليل فلكي على وجودها – كما الهيكلية الغريبة للزمكان، تواصل الثقوب السوداء افتتانها لعلماء الفلك، والفيزياء، وعلماء الرياضيات، والفلاسفة، وعامة الناس، بعد قرنٍ من البحوث في طبيعتها غامضة.

بالنسبة للمشاكل التي تهتم بها المبادرة، خذ على سبيل المثال نقاط التفرد في مراكز الثقوب السوداء، والتي تشير إلى انهيار نظرية آينشتاين للجاذبية. كيف سيكون شكل نقطة التفرد في سياق ميكانيكا الكم؟ على الأرجح، يبدو أنها تركيز شديد للكتلة الضخمة ضمن حجم صغير. إن حجم الخزان الذي يستنزف كل المادة التي تقع في الثقب الأسود غير معروف ويشكل إحدى المشاكل التي لم يتم حلها والتي يعمل عليها علماء BHI.

الثقوب السوداء هي تلك الأجسام الغامضة والتي أسرت خيالنا منذ أول اشارة على وجودها. السمة الأكثر لفتًا للانتباه في الثقب الأسود هو أفق الحدث – وهو الحد الذي لا يمكن لأي شيء الهروب منه – يمكن للأجسام عبور أفق الحدث من الخارج إلى الداخل، ولكن بمجرد قيامها بذلك لن يمكنها العودة أبدًا، ولا يمكن الحصول على أي معلومات بشأنها؛ يختفي بالكامل أي شيء من الكون الخارجي بمجرد أن يعبر أفق الحدث.

لسنوات عديدة، بدا أن وجود الثقوب السوداء يهدد العقيدة الأساسية للفيزياء الحديثة والتي يطلق عليها القانون الثاني للديناميكا الحرارية. يساعدنا هذا القانون على تمييز الماضي عن المستقبل، وبالتالي تحديد “سهم الزمن”. لفهم لماذا تشكل الثقوب السوداء هذا التهديد، نحتاج إلى مناقشة الانعكاس الزمني والانتروبيا.

الانتروبيا وسهم الزمن

استناداً إلى ملاحظاتنا، فإن قوانين الفيزياء (غالبًا) ثابتة في ظل الانعكاس الزمني. ماذا يعني هذا؟ تخيل صديقًا يعرض مقطع الفيديو التالي: يتأرجح بندول عبر الشاشة من اليسار إلى اليمين. هل يتم تشغيل هذا الفيديو بشكل طبيعي أم في الاتجاه المعاكس؟ حسنًا، لقد رأيت بالتأكيد بندول يتأرجح في الاتجاه الآخر من قبل. إذا لم تتغير قوانين الفيزياء في ظل انعكاس الوقت، فليس هناك في الواقع طريقة كي تعرف: الفيزياء تبدو متشابهة حين يتحرك الزمن للأمام أو للخلف.

ومع ذلك، يبدو أن هذا لا ينسجم مع تجربتنا اليومية. فكّر في مقطع فيديو آخر تطير فيه مجموعة من القطع الخزفية بعيدًا عن الأرض وتجمع نفسها في قدح قهوة قبل أن تستقر على الطاولة. هل يتم تشغيل هذا الفيديو إلى الأمام أم إلى الخلف؟ معظم الأشخاص يعتقدون بشكل معقول أن الفيديو يتم تشغيله في الاتجاه المعاكس. إذا كانت قوانين الفيزياء ثابتة حقًا تحت الانعكاس الزمني، فلماذا يبدو هذا الحدس واضحًا لنا؟ والسبب هو أنه على الرغم من أن قوانين الفيزياء تسمح من الناحية الفنية أن تحدث هذه العملية الغريبة كما هو موضح في الفيديو، فإن الحقيقة أن القدح المكسور يتكون من العديد من الجسيمات والتي من المستحيل أن تعيد تجميع نفسها تلقائيًا.

تمت صياغة هذا المفهوم من خلال القانون الثاني للديناميكا الحرارية، والذي يخبرنا بأن الانتروبيا S، لأي نظام منعزل لا يمكن أن تنخفض بمرور الوقت (ولكن يمكن أن تزيد). بعبارة أخرى، لا يمكن أن يكون التغيير في الانتروبيا سلبيًا:

إن الانتروبيا S عبارة عن مفهوم محدد إحصائيًا يقيس افتقارنا إلى المعرفة حول الحالة الأساسية لنظام ما، أي عندما نعرف معلومات “مجهرية” (واسعة النطاق) عنها فقط. من خلال “الحالة” هنا، فإننا نعني التكوين الدقيق لكل جسيم يشكل النظام بأكمله. خذ على سبيل المثال، مربع مليء بالغاز. يمكننا بسهولة قياس درجة حرارة وضغط الغاز، لكن من المستحيل عمليًا بالنسبة لنا معرفة موضع وسرعة كل جسيم غازي داخل الصندوق. في الواقع، هناك العديد من تكوينات مواقع الجسيمات وسرعاتها، أي ” حالاتها” والتي من شأنها أن تؤدي إلى نفس درجة الحرارة والضغط. تشفر الانتروبيا جهلنا بالحالة المحددة التي يكون النظام فيها فعليًا.

كلما زاد عدد الحالات التي تتوافق مع نفس درجة الحرارة والضغط، كلما زادت الانتروبيا.

حقيقة أن الانتروبيا لا يمكن أن تنقص مع مرور الوقت – ولكن يمكن أن تزيد – تخبرنا مع خاصية إضافية تسمى السببية: أن أي حالة نظام واحدة تقابل حالة واحدة في أي وقت في الماضي أو في المستقبل – لا أكثر ولا أقل. على سبيل المثال، لا يمكن لحالة واحدة أن تصبح حالتين في مرحلة ما في المستقبل، ولا يمكن أن تصبح حالتان حالة واحدة.

فكر الآن فيما يحدث عندما نفتح صندوق الغاز في غرفة كبيرة. يبدأ الغاز في المربع ثم يتدفق لملء الغرفة، كما في الشكل 1A، يمكننا بسهولة تلبية القاعدة التي تتطور بها كل حالة أولية في الصندوق إلى حالة نهائية فريدة في الغرفة. إذا كنا نولي اهتمامًا جيدًا لكل جسيم في الغرفة خلال هذه العملية، فإن الانتروبيا لا يمكن أن تزداد لأن كل حالة أولية تتطور إلى حالة نهائية واحدة، ولكن لا يمكننا تتبع العديد من المتغيرات؛ كل ما يمكننا القيام به هو قياس درجة الحرارة والضغط بعد فتح الصندوق، وسوف نجد أن هناك العديد من الحالات المحتملة للغاز في الغرفة بأكملها والتي تتوافق مع درجة الحرارة والضغط الجديدة. خلال هذه العملية، نفقد معلومات حول التكوين الدقيق للجسيمات، وبالتالي تزداد الانتروبيا. لو عكسنا الأمر حيث يبدأ الغاز في الغرفة ثم يتدفق إلى داخل المربع، كما موضح في الشكل 2B، فإن الغالبية العظمى من الحالات الأولية في الغرفة ليس لها مكان تذهب إليه – فببساطة لا توجد حالات كافية في المربع. وبالتالي، فإن الانتروبيا لا تقل!

يمنحنا القانون الثاني للديناميكا الحرارية الآن فكرة “السهم الزمني”. على الرغم من حقيقة أن قوانين الفيزياء قابلة للتغير، فإن المفهوم الإحصائي للانتروبيا يسمح لنا بتحديد اتجاه أمامي للوقت: يتدفق الزمن إلى الأمام في الاتجاه الذي يزيد الانتروبيا ! هذا هو السبب في أننا نشعر أن شريط الفيديو الذي يعيد تجميع جسيمات قدح القهوة بشكل عفوي يجب أن يعمل في الاتجاه المعاكس.

الثقوب السوداء والانتروبيا

الآن، قد نتسائل ما علاقة كل هذا بالثقوب السوداء؟ الثقوب السوداء الكلاسيكية – النوع الذي سيكون موجودًا في عالم خالٍ من الفيزياء الكمومية – ليس لها أي إنتروبيا. أن الثقب الأسود الكلاسيكي لا يمتلك إلا القليل من الخصائص القابلة للقياس: الكتلة (حجمها) والزخم الزاوي (مدى سرعة الدوران)، والشحنة الكهربائية (مثل تراكم الكهرباء الساكنة). عندما يقع جسم ما في الثقب الأسود، فإنه يساهم في هذه الكميات الثلاثة، عدا ذلك، يتم فقدان أي معلومات عنه إلى الأبد.

هذه مشكلة كبيرة للقانون الثاني للديناميكا الحرارية! إذا كانت الثقوب السوداء لا تحتوي على أي إنتروبيا حقًا، ففي أي وقت يقع فيه جسم ما في الثقب الأسود، فإن الانتروبيا الخاصة به سوف تُحذف بفعالية، مما يقلل من إنتروبيا الكون وينتهك القانون الثاني للديناميكا الحرارية. بدون القانون الثاني للديناميكا الحرارية، لماذا لا نرى أكواب القهوة تعيد تجميع نفسها في حياتنا اليومية؟

الحل لهذه المشكلة هو إضافة فيزياء الكم إلى الخليط. في عام 1974، أظهر الراحل ستيفن هوكينج أنه بالإضافة إلى الخصائص الثلاث المذكورة أعلاه، تحتوي الثقوب السوداء أيضًا على درجة حرارة، تُعرف الآن باسم درجة حرارة هوكينج. يرتبط التعريف الديناميكي الحراري لدرجات الحرارة بالتغيرات في الطاقة إلى التغيرات في الانتروبيا، لذا سمح هذا الاكتشاف بأن يُظهر هوكينغ أن الثقوب السوداء تحتوي بالفعل على الانتروبيا، مما يتوافق مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية. في الواقع، لأن طاقة الثقب الأسود تزداد عندما تزداد المساحة السطحية لأفق الحدث، يتبين أن الانتروبيا للثقب الأسود تتناسب مع مساحة سطحها، وهي حقيقة تم تخمينها في الأصل من قبل الفيزيائي Bekenstein.

سمح اكتشاف هوكينج للقيمة الدقيقة لدرجة حرارة هوكينج بحساب ثابت التناسب، مما أدى إلى ما يعرف الأن بأسم .Bekenstein – Hawking المعادلة هي:

Turner_BREAKER-3

حيث SBH هي إنتروبيا الثقب الأسود، وA هي مساحة سطحها، و kB و areP هما ثوابت معروفة باسم ثابت بولتزمان وطول بلانك، على التوالي.

بمجرد أن نعرف أن الثقوب السوداء لها إنتروبيا، يصبح لدينا شكل جديد من القانون الثاني للديناميكا الحرارية لا يشمل فقط الكون خارج الثقب الأسود، بل أيضًا الكون داخل أفق الحدث: Stotal = Soutside + SBH

كلما تم رمي شيء في الثقب الأسود، فإن الانتروبيا في الكون خارج الثقب الأسود تتناقص، ولكن بشكل مثير للدهشة المساحة السطحية للثقب الأسود وبالتالي الانتروبيا الخاصة به، تزيد بما فيه الكفاية لضمان أن الانتروبيا الكلية للكون لا تصبح أصغر. وهكذا، يتم حفظ القانون الثاني للديناميكا الحرارية وسهم الزمن!

إعداد: فرح علي

المصادر: 1

المزيد