ما هو رأي الفلاسفة في الحب وما هي نظرياتهم في تفسيره؟

على مجرى التاريخ طرح بعض أكثر الفلاسفة ذكاءً بعض النظريات المثيرة للاهتمام كمحاولات لفهم ماهية ولماذا نقع في الحب، فلنستعرض أهمهم…

يجعلنا الحب مكتملين مرة أخرى – أفلاطون (347 – 429 ق.م)

فيلسوف اليونان القديمة أفلاطون بحث فكرة أننا نحب من أجل أن نصبح مكتملين. في كتابه “المحاورات” يحكي عن حفلة عشاء يقوم فيها “أرسطوفانيس” – وهو كاتب مسرحي ساخر – بتسلية ضيوفه من خلال القصة التالية:

كان البشر فيما مضي مخلوقات ذات أربعة أذرع وأربعة أرجل ووجهين، وذات يوم أغضبوا الآلهة فشطر زيوس كل واحد منهم إلى اثنين. ومنذ ذلك الوقت، فَقَدَ كل شخص نصفه أو نصفها الآخر.

الحب هو التوق لإيجاد النصف الآخر الذي سيجعلنا نشعر بالاكتمال مرة أخرى، أو على الأقل في اعتقاد أفلاطون أن هذا ما قد يقوله كوميدي ثَمِل في حفلة.

يخدعنا الحب حتى ننجب – شوبنهاور

يأتي شوبهاور بنظرته التشاؤمية للحياة، بالطبع فالحب في نظره مجرد غطاء جميل لرغباتنا الجنسية… كل من قرأ عن شوبنهاور يعرف فلسفته العدمية للحياة، بل من الممكن أن تتوقّع بسهولة وجهة نظره في أي موضوع كان، فقط فكّر في أكثر الأمور غرابة واكتئاباً وستجدها في فلسفته

في وقت لاحق من أفلاطون بكثير، الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أكّد أن الحب يرتكز على الرغبة الجنسية وأنه صورة خادعة للمتعة الحسيّة وارتأى إلى أننا نحب فقط لأن رغباتنا تقودنا إلى الاعتقاد بأن هناك شخصاً آخر سيجعلنا سعداء، ولكننا مخطئون بشدة… تخدعنا الطبيعة كي نتكاثر، ويكتمل الاندماج الغرامي الذي نسعي إليه بولادة أطفالنا.

عندما نشبع رغباتنا الجنسية فإننا نعود إلى وجودنا المُعذب وننجح فقط في الحفاظ على الجنس البشري وإدامة دورة الكدح الإنساني.

يعد الحب هروبا من وحدتنا – راسل

هنا يأتي راسل بذكائه اللامع وشخصيته الحادة وفلسفته الفريدة من نوعها…

وفقاً للفيلسوف الإنجليزي الحائز على جائزة نوبل – برتراند راسل – فإننا نحب من أجل إرواء رغباتنا الجسدية والنفسية. اتخذ راسل منحني أقل حدّة من شوبنهاور.

لقد هٌيئَ البشر للتكاثر، ولكن بدون نشوة الحب العاطفي فإن الجنس يصبح غير مُرضِي… يدفعنا خوفنا من العالم البارد والقاسي – في نظر راسل – لبناء قشرة صلبة لحماية وعزل أنفسنا، تساعدنا بهجة وحميمية ودفء الحب على التغلب على خوفنا من العالم ونهرب من عزلتنا ونٌقبل على الحياة.

يُثري الحب كياننا مما يجعله أفضل ما في الوجود.

الحب هو فتنة مضللة – بوذا

“سيدهارتا غوتاما” الذي أصبح معروفا بـ “بوذا” أو “المستنير” ربما كان سيخوض نقاشات حادة ومثيرة للاهتمام مع راسل… اقترح بوذا إننا نحب لأننا نحاول أن نشبع رغباتنا الأساسية ومع ذلك فإن رغباتنا العاطفية الملحة تعد من نقائصنا، وأهوائنا حتى الحب الرومانسي يعد مصدراً كبيراً للمعاناة.

لحسن الحظ، اكتشف بوذا الطريق الثُماني وهو نوعًا من التعاليم التي تهدف إلى إخماد جذوة الشهوات حتى نصل إلى النيرفانا/ السعادة القصوى، وهي حالة مستنيرة من السلام والصفاء والحكمة والرحمة.

يتيح الحب لنا الوصول إلى أبعد من أنفسنا – بوفوار

هي من الفلاسفة النساء القليلين – أو النادرين على الأرجح – الفرنسية سيمون دي بوفوار والتي كانت في علاقة حب متبادلة مع الفيلسوف الوجودي بول سارتر.

أدّخرتُ رأيها للنهاية لأختم بنظرة أكثر إيجابية قليلاً للحب… اقترحت بوفوار أن الحب هو الرغبة في الاندماج مع شخص آخر وأن ذلك ما يملأ حياتنا بالمعنى… مع ذلك لم تكن معنية كثيراً بلماذا نحن نحب بقدر ما كانت مهتمة بالكيفية التي تمكِّنُنا من أن نحب بشكل أفضل، وارتأت أن المشكلة مع الحب الرومانسي التقليدي هو أنه يمكن أن يكون جذّاباً لدرجة أننا نميل لجعله السبب الوحيد في وجودنا إلا أن الإكثار على الآخَر لتبرير وجودنا يؤدي بسهولة إلى الملل والتنافس في التأثير والقوة، ولتجنب هذا الفخ تنصح بوفوار بأن يكون الحب واقعيّ والذي هو أشبه بـ”الصداقة القوية”، وأن يدعم المتحابَيْن كل منهما الآخر في اكتشاف نفسَيْهما وأن يتخطَوا حدود ذاتَيْهما ويحسّنان معاً حياتهما والعالم.

فبرغم من أننا ربما لن نعرف أبداً السبب المؤكد وراء وقوعنا في الحب إلا أنه يمكننا التأكد من أنه سيكون درباً من التقلبات العاطفية كركوب الأفعوانية، إنه مخيف ومبهج… يجعلنا نعاني ويجعلنا نحلق عالياً… ربما نفقد أنفسنا وربنا نجد أنفسنا… قد يكون محزناً أو قد يكون أفضل شيء في الحياة.

يقول شكسبير عن الحب:

الحب جحيم يطاق والحياة بدون حب نعيم لا يطاق… الحب أعمى

هايدجر وحنة أرندت.. حُرية الحُبْ أم حُب الحرية؟

قال هايدجر في رسالته لتلميذته «هذا ما أنتِ عليه بكاملك وما ستظلين عليه، وهكذا أحبك».

من يعرف هايدجر يعرف على الأرجح كتابه الشهير الكينونة والزمان الذي تعرض فيه لمغامرته العاطفية مع تلميذته حنة أرندت وقال إنها كانت مُلهمته والأكثر مُلاءمة لحياته. أرندت حوّلت هايدجر من مُفكر أنطولوجي إلى فيلسوف عاطفي على حد قوله.

قال هايدجر إن الحُب والكُره يُشكّلان المعرفة، يعني ذلك بحسبه أن الإنسان يحمل في داخلة القُدرة على السمو، التي تضعه في علاقة مع الأشياء ومع الآخرين ليكون مفتوحًا على العالم ويختار بنفسه ما يُحب وما يكره.

يُسهب هايدجر في شرحه مؤكدًا أننا يُمكننا تغذية الكراهية ولا يُمكننا تغذية الغضب، فالحُب والكراهية لا يستلزمان وقتًا أطول فقط، بل إنهما كما يقول هايدجر، الشعوران الأصليّان الوحيدان اللذان يحملان مسافة زمنية واستمرارية حقيقية في وجودنا.

بحسب هايدجر، يُمكن للعاطفة أن تجعلنا واثقين من أنفسنا أكثر، وتجعلنا أيضًا نشعر بالسيطرة على العالم من حولنا.

تتفق معه في ذلك حنة أرندت، حيث أكدت نفس المعنى بعبارة أخرى حين قالت «إنه لا شيء يقودنا نحو قلب العالم النابض مؤكدًا أكثر من (الحب)».

ترى حنة أرندت أن ارتباطنا بشخص ما، يعني أننا نخوض تجربة الحياة الأكثر خصوصية، بحيث يكتشف كلا الطرفين كيانهم الناقص، وإنه كان لِزامًا لنا وجود هذا الآخر أو الحبيب، لأن هناك كيانًا آخر يُعطينا من إمكانياته ومن عالمه ومن وقته، أيضًا ويوفّر لنا أن نظل مُحاطين بالغموض، فيكون القريب نتيجة معرفته بالأشياء الأكثر خصوصية لنا، والغريب كونه لا يزال (آخر)، أي إنه بالرغم من كل القرب الذي يجمعك به، لكنك تظل تتعامل مع هذا الآخر كشخص مختلف عنه، وتفكّر كيف يشعر الآن؟ وماذا يريد؟ رغم ما بينكما من قُرب.

كُل هذا الحُب جمع بين أستاذ جامعة مُتزوج ولديه طفلان وبين تلميذته التي تصغره بـ17 عامًا. كان هايدجر يقول لها دائمًا يجب أن ينفتح كلً منهما على الآخر، ويتركا الأمور تسير على ما هي عليه، إذ يجب على كل منهما أن يتعامل بحرية مع الآخر ومع العالم من حوله؛ أنت تُحب الآخر كما هو بلا تغيير.

رُغم ذلك لم يُغير هايدجر في النهاية مسار حياته من أجل حنة أرندت، فهي على حد قوله: «كانت تُريد المزيد، أن تكون مِلكُه وأن تعيش بجانبه، بينما أراد هو أن تكون حُبه الأناني، وأن تظل مُلهمة ابتكاراته النظرية، أما مسألة أن يترك زوجته فلم يتقبل مُجرّد النِقاش فيها»، لذلك قررت حنة وقتها أن تُنهي تلك العلاقة العابرة وترحل.

يَمُر الوقت ويجد هايدجر رسالة من حبيبته أرندت قُبيل زفافها تقول فيها «لا تنسني». ظلت الفتاة تُحبه حتى التحق بالحزب النازي آنذاك، مما جعل المعارضة الشرسة للنازية تعتبره مات في نظرها. كان ذلك في الوقت الذي ظهر لهايدجر أكثر من علاقة تجمعه مع تلميذات وشاعرات أيضًا يبعدُهم فارق عُمر كَبير.

المُفارقة المُهمة هُنا أن هايدجر رغم تعدّد علاقاته ورغم أننا قد نعتقد أن حنة هي حُب عُمره، إلا أن حُب عُمره الحقيقي هي زوجته. كانت ألفريد (زوجته) تلميذته أيضًا التي تُمثل المجتمع الراقي له كونه كان الفقير ابن خادم الكنيسة.

انجذاب هايدجر ليس حُبًا قدر ما كان انجذابًا للتربية والتدين التي كانت تتحلى بِهما على حد قوله. تمّنى وقتها عشًا تتجمع فيه هذه الروح الطاهرة والطيبة معه، وكان هايدجر صادقًا مع ألفريد لكن تصوره عن الحُب كان مُختلفًا. حيث ألفريد هي الأنسب كزوجة، لكنها لا تُلخص العشق «والقدرة على إيجاد الآخر على الرغم من أي شيء ولو لبضع ثوانٍ».

لا ننسى قبل أن نُطلق أي حكم على هايدجر بخصوص كونه ظلم الفتاة البريئة ألفريد، أن نُبيّن اعترافها بشأن ابنهما الثاني هيرمان الذي كان الابن البيولوجي لصديق طفولة هايدجر فريدل كايسر، ولا يفوتنا هُنا أن نذكر ما قاله هايدجر وقتها لألفريد «أعرف منذ وقت طويل أن فريدل يُحبك».

على ما يبدو في الموقف من غرابة إلا أنه يتسق تمامًا مع فاعله الذي لا يجد مع تعدّد العلاقات إلّا مصدرًا للإلهام.

مرة أخرى، وبعد خلاف في حياة أرندت الحبيبة القديمة التي لم ينسها جعلها تعود لأوروبا مرة أخرى. أرسلت وقتها الرسالة الأهم لحبيبها الأول هايدجر تقول إن الإخلاص يجعلنا نتقبل فكرة أن الحياة تستمر على نحو ما في مكان آخر يوجد فيه حبيبي مع شخص آخر، والخطيئة الوحيدة التي يُمكن أن يرتكبها الحبيب في حق حبيبه هي النسيان، النسيان فقط.

لم تكن قصة حنة أرندت ومارتن هايدجر قصة حُب مُخلص على الإطلاق، ولكنها ربما كانت قصة الإخلاص في الحب.

مأدبة أفلاطون.. للرجال فقط

في مكانٍ ما داخل أثينا، مُنذ عدة قرون، في منزل الشاعر أجاتون، أقيمت هذه المأدبة أو الجلسة الأدبية التي يحضرها مجموعة من الشباب والكهول المنفتحون على أنماط مختلفة من الممارسات الجنسية والسُكارى أيضًا.

اختار أفلاطون من خلال هذه المأدبة الفكرية أن يعرض آراءه عن الحُب، واختار سقراط من خلالها أن يُمثل الصوت النسائي في الجلسة، فهو يقدّم رأيه على لسان السيدة «ديوتيم دومانتيني» مقررًا بذلك اكتشاف حقيقة الحُب دون غيره من الجلوس.

يتساءل سقراط أننا إذا اعتبرنا الإنسان لا يرغب إلّا فيما لا يملكُه، إذًا لماذا نعتبر الحُب تعبيرًا عن الخير والجمال؟ رغم إنه بالنسبة لسقراط لا يتعدى فعلًا حقيرًا أنانيًا، كما يتساءل سقراط لماذا لا نرى من الحُب سوى جزء صغير تمامًا؟

يقول سقراط إن الخطأ ينشأ من اعتبار وجود الحُب مُتحققًا حين يحبنا أحد، وليس حين نُحِب أحدًا، وأن إدراك الحب عمومًا من وجهة نظره يتعلق بالسؤال الأساسي؛ لماذا أُحِب؟ بدلًا من سؤال لماذا أُحَب؟

يرى سقراط أن الإنسان يتطلع للخلود رغم يقينه بالفناء، فالحُب عند سقراط هو حُب الجمال عمومًا؛ الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش؛ هو أن نشعر بالجمال عمومًا.

في المقابل يعرض أفلاطون تصوره عما يُسميه ذرية الحُب. يقول إن الآلهة اجتمعت في يوم ولادة أفروديت بحديقة زيوس وكان بينهم (إكسبديون) ابن آلهة الحِكمة، بالإضافة إلى المرأة الفقيرة المتسولة التي كانت تجمع الفُتات مستغلة نوم الإله (بورو) وابنه الذي ثَمِلَ من شُرب الخَمر، هكذا نشأت هذه الذُرية. الأم ليست جميلة ورقيقة كفاية بالإضافة إلى كونها فقيرة لكنها تحت مراقبة والدها الفيلسوف العاطفي عاري القدمين الذي يُمثل الخير والجمال.

أشار أفلاطون إلى أن الإله أيروس هنا هو ما يُشكل هذا الاحتياج أو الفقد، الذي نشعر به والذي يحثّنا على البحث عن شخص آخر، حيث يعرف أفلاطون الحُب بأنه تلك القوة والطاقة التي تُساعد الإنسان على بلوغ الخلود الأوحد، إما بالأبناء أو بالإنتاج الأدبي؛ كلٍ منا يختار طريقة خلوده الشخصي.

يتدخل الصديق أريخياموس ويقول إن الحب يدفع الإنسان نحو التصرفات الصائبة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يفقد شرفة أمام محبوبه حتى في لحظات الموت، وإن جيشًا من العشاق قادر على هزيمة جيش لا يُهزم، لأنه يعتبر أساسًا علاقة بين الإنسان وربه. يحمل الإنسان بداخلة صورة هذا الرب الإعجازي الذي يحثّه على الاحتفاظ بكُل جميل.

لكن يُعارضه الشاعر أرستوفان المعروف بعدائه الشديد لسقراط بقوله إن البشر أنصاف ومشوهون، ويحاولون أن يجدوا أنصافهم الأخرى ليتّحدوا ويتبادلوا الأحضان «فالإنسان في الأصل كيان ناقص وعليه أن ينطلق بحثًا عن نصف البرتقالة لعلّه يجد السلامة في ذلك النصف الآخر، فنحن كبشر دائمًا ما نبحث عن توأم الروح الذي يعيدنا لطبيعتنا الأولى مرة أخرى».

هل تعرف حقا من تُحب؟

في رأي عالم النفس الفرنسي “جاك لاكان”، فالإجابة هي لا قاطعة: هويتنا الحقيقية تبقى محبوسة للأبد خلف سجن الجسد الذي يظهر وحده للآخرين. فبينما يقضي كل منا وقته مع نفسه بشكل كامل داخل أفكاره متحدثا مع ذاته في حوار غير منطوق، لا يظهر للعالم من كل هذا سوى أشكالنا الخارجية التي قد لا تشي بالضرورة بمن نكون حقا. ولهذا، تبقى القاعدة هي كوننا غير مفهومين من قبل الآخرين، ما يصنع حاجزا حديديا يحول دوننا ودون التماهي تماما مع أحد، ويُبقي التواصل الحقيقي شيئا نفتقده في علاقاتنا الإنسانية. لكن المحبوب مُستثنى من كل هذا، أليس كذلك؟

لا يعتقد لاكان هذا. فوفقا لعالم النفس الفرنسي، نحن لا نرى أو نفهم حقا من نحب، بل نقوم بإلصاق خيالتنا عن “الحبيب المثالي” فوق جسد المحبوب ونقع في حب خيال اختلقناه لأنفسنا. تشرح لومنييه ولانسولان هذا على لسان الشاعر والفيلسوف الروماني “لوكريس” وتكتبان: “إن “المعبود” هو حبيب غير موجود. موضوع الحب ليس سوى عرض سمات تخيلية. وابتداء من تلك الذرات التي تخرج من مخلوق جذاب لترتطم بالعين المقابلة، يحكي المحب لنفسه حكاية، ويصنع إلهه، كائنا يعج بألف إغراء، بحيث تتلخص أمنياته في توافر تلك المغريات في الحبيب”.

يبدو الحب إذن مجالا محكوما بالأوهام وتشوش الرؤية، ولا يقتصر الوعي بهذا على الفلاسفة فقط، فهنالك مثل شعبي شهير يقول: “مرآة الحب عمياء”. ومع عجز مرآة الحب عن عَكس المحبوب، ما الذي يقودنا إلى معرفة إذا ما كنا نحب الآخر حقا، لا تصورنا الشخصي عنه؟

الإجابة ليست صعبة، كل ما عليك فعله هو الانتظار وسيأتي المحبوب لا محالة بشيء تافه، شيء لا يناسب الكمال الذي أضفيته عليه، ويخرج حينها بالضرورة عن معجم الخيالات التي رأى لاكان أنك تلصقها به. حينها، ستبدأ عيوبه في التعري، والعيوب، كما يخبرنا الفيلسوف المعاصر سلافوي جيجيك، وحدها تخبرنا إذا كنا نحب من نحب صدقا أم لا.

يقول جيجيك: “لا يمكنك أبدا أن تقع في حب شخص كامل. لا بد من وجود شيء صغير مزعج فيه، وفقط عبر ملاحظتك لذلك الشيء يمكنك أن تقول: “بالرغم من ذلك العيب، ما زلت أحبه””. وفقا لجيجك إذن، وحدها العيوب تمثل برهانا قويا على صدق عاطفتنا، فكونك ترى من تحب يأتي بشيء لا تحب، ثم تقرر بعد هذا أنك ما زلت تحبه، لهو دليل جازم أنك تحبه هو نفسه وليس صورة مخادعة رسمتها عنه في خيالك.

بعد أن تمر بمراحل الافتتان بالمحبوب، ثم الصدمة حيال عيوبه، ثم تجاوز تلك الصدمة وقبوله كما هو، ويمر ما يكفي من وقت تتأكدان فيه حقا من قوة ما يجمعكما، تبدآن بالتفكير في قضاء ما يبقى من حياتكما معا. يتحول الزواج هنا إلى خطوة لا بد منها. لكن، يظل السؤال: هل تضمنان أن يستمر حبكما إلى ما بعد الزواج؟ أو بمعنى آخر، هل يمكن أن يعيش الحب للأبد؟

إلى اللانهاية وما بعدها

وصلت درجة اعتراض الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه على فكرة الزواج القائم على الحب فقط حدا رأى معه ضرورة جعل الزواج تحت تأثير العشق فعلا خارجا على القانون. ولهذا، فإن كان حيا بيننا وتقدمنا إليه بالسؤالين السابقين لضحك ساخرا منا ورد بـ”لا” قوية تقلب تصوراتنا رأسا على عقب.

فوفقا للفيلسوف الألماني، الحب هو في النهاية شعور؛ والمشاعر، بجموحها وتقلباتها، لا تصلح لأن تكون أساسا نبني فوقه كيانا نتوقع استقراره للأبد. يقول نيتشه: “ينبغي أن يُمنع الإنسان وهو عاشق من اتخاذ قرار يكون ملزما له طوال حياته، ومن اختيار مرة واحدة وللأبد الشخص الذي سيحظى برفقته”.

مع هذا، لم يكن نيتشه ضد الزواج ككل، بل كان ضد دخولنا فيه وفي رأسنا تصور حالم عن حياة وردية يزين الحب تفاصيلها، فإن قام الزواج على هذا التصور، لن يعدو حينها كونه وهما نخدع به أنفسنا .

لهذا، يرى الفيلسوف الألماني أنه من السخافة أن يَعد أي منا الآخر بشعور هو لا يتحكم فيه من الأصل. وحتى لا تأتي اللحظة التي نشعر فيها بأننا مخدوعون، سيكون علينا أن ندخل الزواج ونحن على وعي تام بأنه لا ما نشعر به تجاه الآخر ولا ما يشعر به الآخر تجاهنا يقع في حيز المضمون. وبناء عليه، اقترح نيتشه تغيير عهود الزواج لتصير: “طالما أحببتك، سأظل أقدم إليك أفعال الُمحبين؛ وإن كففت عن حبك، فستظل تتلقى مني الأفعال نفسها، لكن انطلاقا من دوافع أخرى”.

ولا يتخذ الزواج المثالي بحسب نيتشه مادته من مشاعر ملتهبة أو قبلات حارة، بل من شيء أهدأ وأبسط من كل هذا بكثير؛ إنه الأحاديث. فنحن نقضي معظم أوقاتنا مع الشريك في تبادل رؤانا وأفكارنا وخبراتنا عن طريق الكلمات، ما يجعل القدرة على التواصل هي الميزة الأهم التي على أي زواج ناجح أن يمتلكها. يطلب نيتشه لهذا من أي شخص مُقدم على الزواج أن يقف برهة ويسأل نفسه: “هل تعتقد أنك ستستمتع بالكلام مع ذاك الآخر حتى سنوات الشيخوخة؟”

هكذا ينحسر العشق المتأجج عن صورة نيتشه للزواج المثالي، وتأخذ مكانه الصداقة. تكتب مؤلفتا كتاب “الفلاسفة والحب” عن هذا وتقولان:

في الحب الذي يحمل عنوان الصداقة، تفسح تلك الرغبة المتبادلة بين اثنين المجال لتَطلُّع جديد، وتَعطُّش مشترك أرقى، لمثال يتخذ مكانا يعلو به الشريكان. هذا المثال يرتكز على أن يخلق للاثنين، من خلال الاحترام المشترك، واحدا يبتكره الاثنان، قد يكون طفلا أو أي هدف آخر مشترك يسمح بتحقق الطرفين. أما العاطفة، والجنس، وروعة الأيام الأولى، فكلها أشياء مؤقتة

يقوم الزواج المثالي إذن على استمتاع الطرفين بأحاديثهما معا، وعلى خلقهما شيئا يجمع بينهما ويصبوان دائما إليه. ستحل أيام سيئة لا محالة، لكن يظل رباط الصداقة ضامنا على مضيها بسلام؛ وعندما تأتي الأيام الرائقة، سَيُعبّر الحب عن نفسه مجددا في شكل أكثر هدوءًا. فسيشغل بعض الليالي، بعد أن انتهى العمل ونام الأطفال، أحاديث طويلة لا تقطعها سوى ضحكات مبتهجة بين الحين والآخر، وفكرة ستعبر رأس كل واحد وتقول:

كم أنا محظوظ!