ماري آننغ رائدة علم الحفريات التي تحدت رواية الخلق الانجيلية

كانت ماري أنينغ تعمل في جمع الأحافير البريطانية، والتجارة، وعلم الحفريات (قبل أن يكون هناك علم الحفريات). تحديت دراساتها نظرة الإنجيل القائمة على الكتاب المقدس، وتحدى جنسها ومركزها ما ينبغي أن يكون عليه العلماء. أثبتت الحفريات التي وجدتها أن هناك شيئًا ما قبل الإنسان، مما أزعج السرد الراسخ لتاريخ الحياة على الأرض. تصفها المجلة البريطانية لتاريخ العلوم بأنها “أعظم حفرية عرفها العالم على الإطلاق”.

كانت أننغ تجوب منحدرات الحجر الجيري في دورست، إنجلترا. هذا هو المكان الذي صنعت فيه العديد من الاكتشافات الحفرية، بما في ذلك الهيكل العظمي الإكثيوصوري الأول. هذا المخلوق يبدو غريباً جداً، وكانت جمجمته طولها أربع أقدام وكان فكه بشكل زوج من زراديات الإبر والأنف.

اكتشافاتها كانت هي الأولى من نوعها في المجتمع العلمي، بما في ذلك أول هيكلين عظميين على شكل بليزوصور، أول هيكل عظمي لبيروصور موجود خارج ألمانيا، وحفريات أسماك. كانت تجمع الأحافير التي أزيلت بعد الانهيارات الطينية واستعادتها قبل أن يبتلعها المد البحري. هذا العمل يمكن أن يكون خطيرا جدا. في عام 1833 ، قامت الانهيارات الأرضية بأخذ حياة كلبها.

من المهم أن نلاحظ أنه خلال أوائل القرن التاسع عشر، حافظ معظم الناس في بريطانيا على التفسير الحرفي لقصة الخلق، معتقدين أن الأرض كانت عمرها بضعة آلاف من السنين فقط. لكن هذه المخلوقات الجديدة المدفونة تحت أقدامنا جعلت العلماء يعتقدون أنه ربما كان هناك عالم مختلف تماماً قبل عالمنا.

أصبحت حفرياتها دليلاً على فكرة جديدة في العلوم: الانقراض. وقد جادل عالم التشريح الفرنسي جورج كوفير هذا بعد تحليل الحفريات العملاقة، ولكن العديد من شرح فكرته بعيدة جدا، قائلا إن هذه المخلوقات لا تزال موجودة في مكان آخر على الأرض. الانقراض يعني أن خلق الله كان غير كامل. ومع ذلك، فقد كانت نتائج انينغ دليلاً على فرضية كوفييه – وهي أن الأنواع الكاملة قد اختفت في تاريخ الأرض.

Duria Antiquior هي لوحة مائية قام بها عالم الجيولوجيا هنري دي لا بيشي الذي يصور ما يمكن أن تبدو عليه الحياة في دورسيت القديمة. تأثر هذا التمثيل لحياة ما قبل التاريخ بالحفريات التي عثرت عليها آننغ، وتم التبرع بعائدات من بيع اللوحة لجهودها.

خلال حياتها، تلقت أننغ القليل من التقدير لعملها. عاشت في وقت لم يكن بإمكان النساء التصويت فيه أو الالتحاق بالجامعة. وباعتبارها امرأة ذات وضع اجتماعي متدنٍ، كانت تواجه صعوبة في الحصول على احترام أقرانها بل وحتى الحصول على الفضل في اكتشافها في المجتمع العلمي.

واعتبرت ليدي هارييت سيفستر، أرملة المُسجل السابق لمدينة لندن، أن “هذه المرأة الشابة يمكن أن تمتلك مثل هذه المعرفة في العلوم، بل إنها أكثر من” أي شخص آخر في هذه المملكة.

وكتبت آنا بيني: “تقول أن العالم قد استخدم جهودها … هؤلاء الرجال الذين تعلموا قد امتصوا أدمغتها، وأجروا الكثير من أعمال النشر، والتي قدمت محتوياتها، في حين أنها لم تستمد أي من المزايا”. وهي امرأة كانت ترافق آننغ عندما تذهب للبحث عن الحفريات على طول المنحدرات.

ومع ذلك، لم ينس التاريخ ماري أنينغ، ونحن نتذكر إرثها من البحث الميداني والتأثير الذي كان لها على فهم الحياة على كوكبنا.

تفاعل ماري مع الوسط العلمي

كانت ماري، بوصفها امرأة فقيرة من الطبقة العاملة، غريبة عن الأوساط العلمية. ففي ذلك الوقت لم يكن للنساء، ولا حتى الفقراء من الرجال من مَن لم يكن لديهم ملكية خاصة، الحق في الإدلاء بأصواتهم، أو تقلد المناصب الحكومية، أو حتى الالتحاق بالجامعات.

وبالنسبة للنساء من الطبقة العاملة، كانت الوظائف المتاحة تتمثل في أعمال الزراعة والأعمال المنزلية والعمل بالمصانع الجديدة. ولم تكن الجمعية الجيولوجية، الناشئة، ذات الدور المؤثر في تشكيل الوعي العلمي بمعزل عن مثل هذا الإقصاء. فقد منعت النساء من الاشتراك فيها، أو حتى حضور جلساتها باعتبارهم ضيوف.

ومن ناحية أخرى، كانت ماري تستاء من الكثير من زبائنها المهتمين بالحفريات; فبالرغم من أنها كانت تفوقهم علماً، فإن، زبونها، عالم الجيولوجيا الثري، كان هو دائما من يضع وصفاً علمياً للحفريات التي تكتشفها ماري، دون أدنى إشارة لدور ماري في اكتشافه.

وفي الصدد نفسه تقول آنا بني، الصبية التي صاحبت ماري في الكثير من رحلات جمع الحفريات: “لقد استغلت ماري بشدة… فبينما كانت تلك الصفوة المتعلمة تعتمد على كل ما تتوصل إليه ماري من تفصيلات ضرورية لنشر نتائجهم النهائية، كانت ماري لا تحصل على أية امتيازات نظير تلك الاكتشافات.” وكذلك كتب تورانس أن الظلم والتجاهل الذين تعرضت لهما ماري كانا جزءا من منظومة أكبر من التجاهل الذي تعرضت له الإسهامات العلمية المقدمة من الطبقة العاملة في أوائل القرن التاسع عشر. فغالباً ما كان الحجار، أو عامل الطرق، أو عامل البناء يجمع الحفريات ثم يبيعها لجامع الحفريات الثري، فإذا كانت المستحاثات التي اكتشفت ذات قيمة علمية، فإن الأخير كان يحصل على كل الامتيازات والتقدير.

كان الكثير من علماء الجيولوجيا يزورون ماري، ليس فقط من أجل شراء الحفريات، ولكن أيضاً للخروج معها في رحلات جمع الحفريات، وكذلك لمناقشة أمور التشريح. فعلى سبيل المثال: كانت ماري وهنري ديلابيك أصدقاء، أثناء مرحلة المراهقة وبعدها، حين أصبح هنري أحد أبرز علماء الجيولوجيا في المملكة. فقد كان هنري، وماري، وأحياناً جوزف آننج، يذهبوا معاً في رحلات جمع الحفريات. أما ويليام بكلاند، أستاذ الجيولوجيا بجامعة أوكسفورد فكان يقضي إجازات عيد الميلاد بلايمريجس، حيث شُهِد، وماري، يجمعان الحفريات.

ويبدو أن بكلاند قد استفاد كثيرا من الإثباتات العلمية التي توصلت إليها ماري; فقد أثبت أن البازهر المخروطي، الذي أسماه بالكوبراليت، ما هو إلا روث أكتيوصور أو بليزوصور متحفر.

وفي عام 1839 قام كلاً من ويليام بكلاند، وريتشارد أوين، وكونيبير بزيارة لايم، حيث ذهبوا جميعا في رحلة لجمع الحفريات، بصحبة ماري.

وكذلك ساعدت ماري جامع الحفريات توماس هوكنز في جمع هياكل الإكتيوصور من ساحل لايم ريجس في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بيد أنها لاحظت ميل هوكنز لتحسين الهياكل المتحفرة، فقالت عنه: “لقد كان يضع الأشياء تبقاً لتصوره هو، وليس على الصورة التي وجدت عليها….”. ونتيجة لذلك، أثيرت فضيحة كبرى حول العظام التي يضيفها هوكنز إلى هياكل الإكتيوصور، كي تبدو مكتملة، قبل أن يبيعها لمتحف التاريخ الطبيعي بالمتحف البريطاني، دون علم المثمنون بتلك الإضافات.

وفي عام 1834 قام عالم الحفريات السوسري، لويس أغاسيز بزيارة ماري لجمع ودراسة حفريات الأسماك، حيث أعجب بمهارتها، هي وصديقتها إليزابيث فيلبوت، حيث شكرهما في كتابه دراسة في الأسماك المتحفرة (Studies of Fossil Fish). كما كتب عنهما في مذكراته: “لقد استطاعت الآنسة فيلبوت وماري آننغ أن ترياني سلالات عديدة من أسماك القرش”.

وكذلك قام رودريك موركيسون، ضمن عمله الميداني بجنوب غرب إنجلترا، بزيارة لايم، حيث ترك زوجته شارلوت هناك، لعدة أسابيع، كي تتعلم أمور جمع الحفريات من ماري. وفي تلك الفترة أصبحت ماري وشارلوت صديقتين، حيث استفادت ماري من صداقتها بشارلوت التي عرفتها على شبكة واسعة من الزبائن بأوروبا.

حتى غيديون مانتل، مكتشف الديناصور إغوانادون، قام بزيارة ماري بمتجرها.

إلى جانب تلك الزيارات، كان العديد من العلماء يكاتبون ماري ويسألون آراءهم. ومن هؤلاء تشارلز لايل الذي كتب يسألها عن رأيها في التأثير الذي يحدثه البحر في الجروف الساحلية بلايم. في حين راسلها آدم سيدجويك، أستاذ الجيولوجيا بجامعة كامبريدج، الذي درس لعديد من العلماء من أبرزهم تشارلز داروين.

العثرات المالية وتغيير الكنيسة

صورة بالأبيض والأسود لرسمة تظهر حيوانات ونباتات عاشت في البحر وعلى الشاطئ قبل التاريخ، يتقدم الصورة تيروصورات تتعارك في الجو فوق البحر، وإكتيوصور يعض رقبة بليزوصور طويلة.

هذه هي الطباعة الحجرية، التي صورها جورج يوهان شارف، من رسمة هنري ديلابك الأصلية، دوريا أنتيكوير بالألوان الماءية.

في عام 1830، تعرضت ماري لأزمة مالية، بسبب قلة الطلب للحفريات، نتيجة للحالة الاقتصادية السيءة التي كانت تمر بها البلاد، إلى جانب الفترات الزمنية الطويلة التي كانت تفصل بين اكتشافات ماري الكبرى. وقد حاول هنري ديلابك، صديق ماري المقرب، مساعدتها، فكلف جورج شارف بعمل طباعة حجرية لرسمته دوريا أنتيكوير، التي تعتمد على الحفريات التي وجدتها ماري في تصوير الحياة بدورست في عصور ما قبل التاريخ. ثم باع ديلابك نسخ عديدة من تلك الطباعة الحجرية لزملائه من الجيولوجيين وغيرهم من الأثرياء، حيث تبرع بالعائد لصالح ماري. وفي ديسمبر من نفس العام، اكتشفت ماري، أخيراً، هيكل عظمي لنوع جديد من البليزوصورات وباعته مقابل £200.

وفي خلال تلك الفترة، تحولت ماري من الكنيسة الأبرشانية، حيث عُمدت ماري ونشطت هي وعائلتها، إلى الكنيسة الأنجليكية. وقد جاء هذا التحول تزامناً مع التراجع الملحوظ الذي شهدته أعداد المنتمين للكنيسة الأبرشانية في عام 1828، بعد سفر الجيولوجي والقس جون غليد، صاحب الجماهرية الكبيرة، إلى أمريكا لتدشين حملة ضد العبودية هناك، واستخلاف القس إبينيزر سمث، صاحب الشعبية الأقل، مكانه. وكذلك تحولت ماري عن الكنيسة الناشئة بعد تأثر المكانة الاجتماعية لتلك الأخيرة نتيجة لتحول الكثير من النبلاء من زبائن ماري، مثل بكلاند، وكونيبير، وسدجوك، عن الكنيسة. وبالرغم من ذلك التحول، فقد بقيت ماري، بوصفها مسيحية متدينة، تخدم كنيستها الجديدة كما كانت تخدم كنيستها القديمة.

وفي عام 1835 تعرضت ماري لضائقة مالية أخرى، بعدما فقدت معظم مدخراتها (حوالي £300) في صفقة غير موفقة. حيث اختلفت المصادر حول ما حدث بالضبط; فتقول ديبرا كادبوري أن ماري قد استثمرت أموالها مع شخص محتال سرقها، بينما تقول شيلي إملنغ أنه ليس من المؤكد إذا ما كان هذا الرجل محتالاً بالفعل، أو أنه لم يكن محتالاً ولكنه مات فجأة قبل أن يرد لماري أموالها. بيد أن حالة ماري المادية قد تأثرت كثيرا بعد تلك الحادثة، حتى أن ويليام بكلاند، صديق ماري القديم، تقدم بطلب لكلاً من الحكومة البريطانية والجمعية البريطانية لتقدم العلوم لمنح ماري معاش سنوي نظير إسهاماتها الكثيرة في علم الجيولوجيا. ويذكر أن ذلك المعاش البسيط (£25) قد ساعد على تأمين وضع ماري المالي، بعض الشيء.

ترجمة: حسام عبدالله

المصادر: 1