عين الرضا عن كل عيب كليلة…ولكنَّ عينَ السخط تُبدي المساويا

الانحياز التأكيدي، التنافر المعرفي، الاستدلال المدفوع

في عام ٢٠٠٩ فتاة مكسيكية أصبحت حامل بتؤامٍ بعد اِغتصابها من قبل ِزوج أمها، بنصيحة من الدكتور أختارت أمها أن تقوم بعمليةِ إجهاض، بعد تضرعها للمحكمة التي تحظر الإجهاض إلّا في حالة كان هناك خطر علىٰ الأم أو في حالة التعرض للاغتصاب حصلت الأم علىٰ الموافقة بإجراء عملية إجهاض. بعد إجراء العملية أخذَ الامر منحًا آخر عندما سمع مطران المدينة (مدينة ريسيفي Recife) بالأخبار فإنَّه طرد كل من الأم والبنت والفريق الطبي الذي أجرىٰ العملية من كنف الكنيسة مُستشهدًا بقانون الكنيسة (قانون الكنيسة 1398 ينصُ بنبذ كل من يجري عملية إجهاض)، أما الأب فإنَّه لم يُنبذ وبقىٰ جزءًا منها.

هل كان من حق الفتاة أن تجري عملية إجهاض؟ هل كان المطران علىٰ حق عندما شجبها هي ووالدتها والفريق الطبي؟ وماهو موقف الحكومة البرازيلية من الموقف؟

لطالما سمعنا هذا الجدال كثيرًا ودائما ما كان بلا فائدة، الجانب الـمُثير في هذا الموضوع هو الدوافع النفسية التي تُفتعل من حريق هذا الجدل. كلٌّ يُؤمن بأنَّ الحقيقة معه، يرىٰ العالم بالشكل الذي يرغب به وليس بما هو عليه في الواقع، الجمهوريون يشاهدون قناة فوكس Fox بينما الديمقراطيون يشاهدون قناة MSNBC، الخلقويون يرون أنَّ المتحجرات هي من الأدلة على وجود الإله بينما التطوريون يجدون إنَّها من الأدلة التي تُؤكد علىٰ حدوث التطور، الأم ترىٰ أنَّ الإجهاض أفضل شيء لابنتها بينما الكنيسة تجده من الآثام والمعاصي.

من المؤكد أنَّ الصورة قد اتضحت لك أيها القارئ العزيز معتقداتنا تملي علينا مانرىٰ وكيف نرىٰ.

السؤال هنا: لماذا الإنسان مُخلص لمعتقداته، حتى لو كانت الأدلة المعارضة لمعتقده قوية؟

الجواب يقع علىٰ عاتق بعض الميول النفسية التي عند مزجها تنتج الجهل. أول هذه الميول هو الانحياز التأكيدي Confirmation bias وهو بالضبط كما يدلُّ اسمه هو ميل الناس للبحث عن ما يؤكد معتقداتهم وتجاهل ما يناقضها غير معنيين بالحقيقة.

الدراسات التي أُجريت علىٰ الانحياز التأكيدي كانت في جامعة ستانفورد في آواخر عام ١٩٧٠، فقد أجرىٰ الباحثون تجربةً علىٰ مجموعتين من الأشخاص إحداهما تدعم عقوبة الإعدام بينما الأخرى تُعارضها، المجموعتين قرؤوا دراستين (إحدى الدراستين تدعمُ ظاهريًا بينما الأخرى تعارض ظاهريًا آراهم بفاعلية حكم الإعدام في التقليل من الإجرام) بعد قراءة الدراستين وجد الباحثون أنَّ أنصار حكم الإعدام ومعارضوه قد أيّدوا الدراسة التي تتفق مع وجه نظرهم بالرغم من كون كلا الدراستين مزيفة وليست بحقيقية.

الميل الثاني هو التنافر المعرفي Congnitive dissonance التي يُوصف بأنَّه حالة التوتر التي تحدث للشخص الذي لديه معلومتين أو معرفتين متناقضتين، أول من وصف هذه الحالة هو ليون فيستنجر Leon Festinger في ١٩٥٧ عندما قام بدراسة طائفة تعبد الأطباق الطائرة UFO تؤمن هذه الطائفة بأنَّ نهاية العالم ستحدث في منتصف ليلة 21 من شهر ديسمبر لعام ١٩٥٤، يذكر فيستجر في كتابه (عندما تفشل النبؤة when prophecy fails) كيف أن َّعبيد الأطباق الطائرة بعد انقضاء ليلة ٢١ ديسمبر بدؤوا يتسائلون عن سبب عدم وقوع يوم القيامة، في نهاية المطاف قامت رئيسة هذه المجموعة الدينية ماريا كيج بشرح الأمر لأعضاء مجموعتها قائلة لهم أنَّها قد تلقت رسالة تُنبؤها بأنَّ إله.

الأرض قرر بأنَّه قد عفىٰ عن عبيده وأنَّه قد عَدَل عن تدمير الأرض، برغم ذلك فأنَّ أعضاء هذه المجموعة الدينية قد استمرو بنشر معتقدهم عن يوم القيامة بالرغم من عدم وقوعه في ليلة ٢١ ديسمبر ١٩٥٤. قد يبدو مثال فيستنجر غريبًا نوعا ما لكن إليك هذه الأمثلة من حياتنا اليومية، علىٰ سبيل المثال الأغذية الغير صحّية كلنا نعلم أنَّ البيتزا مُضرة بالصحة لكننا نستمر بأكلها وبعد أن ننهي قطع منها نقول “إنَّها تستحق” أو “سأتوقف عن تناولها اِبتداءً من الغد”. أو خذ علىٰ سبيل المثال المدخنين هم يعلمون بأنَّ التدخين قد يُودي بحياتهم لكنَّهم رغم ذلك يستمرون بالتدخين، وبعد أنَّ يتركوه لفترةٍ يعودون للتدخين متحججين بقولهم “أنَّ التدخين ليس بذالك السوء” أو “إنَّ يستحق أن نخاطر من أجله”. فسواء كانوا عبيد الأطباق الطائرة أو عُشّاق البيتزا أو المدخنين فجميع هؤلاء لديهم معرفتين متناقضتين ويركونون إلىٰ المعرفة التي تُناسبهم أكثر من المعرفة الأكثر مصداقية.

أما الميل الثالث فهو الاستدلال المعرفي Motivated reasoning الذي يصفُ ميولنا لقبول ما نريد أنَّ نؤمن به بسهولة أكبر وبدون تعقيدات، ففي دراسة قامت بها زيفا كوندا Ziva Kunda حيث تمَّ وضع مجموعة من المتطوعين في غرفة وتم إخبارهم بأنَّهم سيقومون بلعب لعبة لكن قبل ذلك عليهم بأن يُشاهدوا أحدًا غيرهم يقوم بلعب اللعبة وهذا الشخص أما سيلعب معهم أو سيلعب ضدهم، لكن كوندا قامت بإدخال خدعة بسيطة في التجربة فالشخص الذي يجب علىٰ المتطوعين مشاهدته هو في الواقع حليفهم حيث لعب اللعبة بشكل دقيق وأجاب عن جميع الاسئلة بشكل صحيح، وجدت كوندا انَّ المتطوعين الذين اِصطفوا للعب ضدَّ الحليف أظهروا عدم المبالاة و وعّزوا دقة هذا اللاعب للحظ بينما الأشخاص الذين اِصطفوا للعب مع الحليف وجدوا أنَّ مهارته كبيرة تستحق الثناء. كِلا المجموعتين شاهدو نفس الأداء رغم ذلك استنتاجاتهم كانت مختلفة جذريًا، فنحن لا نتمحص الأشياء عندما تسير وفق طريقتنا.

إذًا ما الفرق بين الانحياز التأكيدي، التنافر المعرفي، الاستدلال المدفوع؟ لا يوجد أيُّ فرق. بشكل عام هذه الميول الثلاثة تخدم نفس الهدف وهو تصوير العالم بالشكل الذي يناسب معتقداتنا، لكن هناك بعض الفروق البسيطة التي تستحقُّ الذكر فالانحياز المدفوع كالتؤام الشرير للتنافر المعرفي في أنَّه يحاول أن يتجنبة.

يقول عالم النفس في جامعة نيويورك كري ماركوس Gary Marcus “الانحياز التأكيدي هو الميل التلقائي لملاحظة المعلومات التي تُوافق معتقداتنا، أما الاستدلال المدفوع فهو الميل للتمحص في الآراء التى لا توافق معتقداتنا علىٰ عكس الآراء التي توافقها”
نعود إلى البرازيل.

العقل البشري مُصمم لكي يُصوّر لنا العالم بشكل لا يجعل هناك مكان للتساءل والشّك، قد يساعدنا هذا علىٰ الاستمرار في الحياة لكنَّهُ فخ في نفس الوقت، فرؤية العالم بالشكل الذي نستسيغه أو قُل تستسيغه معتقداتنا سيعمينا عن رؤية الحقيقة وسيكون من الصعب علينا أن نفهم وجهات النظر والآراء المخالفة.

يُساعدنا هذا الشرح في فهم وجه نظر الناس نحو قضية الفتاة البرازيلية فعندما ينظر الشخص البرازيلي أو المسيحي إلىٰ الموضوع يجده موافقًا لمعتقداته (اِنحياز تأكيدي) وسيركن لوجه النظر التي تُشعره براحة أكبر (تنافر معرفي) ولن يتمحص الأفكار المعارضة (الاستدلال المدفوع). بهذا التفكير نحن نُعيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي لأمتنا.

المراجع: Kunda, Z. (1990). The case for motivated reasoning. Psychological Bulletin, 108 (3), 480-498 DOI: 10.1037/0033-2909.108.3.480 ‏Lord, C., Ross, L., & Lepper, M. (1979). Biased assimilation and attitude polarization: The effects of prior theories on subsequently considered evidence. Journal of Personality and Social Psychology, 37 (11), 2098-2109 DOI: 10.1037/0022-3514.37.11.2098