حالات أخرى للمادة قد لا يعلم بوجودها إلا القليل من الناس (الجزء الثاني)

كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن حالات أخرى للمادة زيادة على تلك المعروفة لدى أغلب الناس، فذكرنا ثلاث حالات إضافية توصل إليها العلم حديثًا، ونستكمل اليوم الحالات الباقية في المقال الآتي:

4- الموائع الخارقة Superfluid:

عندما تقوم بتبريد نظائر من غازات “الهيليوم”، و”الروبيديوم”، والليثيوم” بدرجة قريبة من الصفر المطلق فإنها تصبح “سوائل خارقة”.

و”السوائل الخارقة” هي سوائل تجري بدون لزوجة؛ أي أن لزوجتها تساوي صفرًا، ما يؤدي إلى جريانها بدون خسارة في الطاقة الكامنة، وهذا شيء مدهش بالإضافة إلى سلوكها الغريب.

ولك أن تقدر أهميتها التي تكمن في أنّ اكتشافها قد منح العلماء جائزة نوبل للفيزياء عام1996.

لنأخذ الهليوم السائل مثالاً على هذه السوائل، فعندما يُبرّد إلى 2.17 كلفن، يصبح جزء منه سائل خارق، بينما عندما تُبرد السوائل الأخرى إلى درجة معينة، فإنّ التجاذب سيقهر بين ذرات اهتزازها الحراري ما يتيح للسائل أن يتحول إلى الطور الصلب.

لكن التجاذب بين ذرات الهليوم السائل ضعيف جدًا لدرجة أنه لا يتيح لها أن تصبح صلبة، فتبقى في حالتها السائلة حتى درجة قريبة من الصفر المطلق، وعندها ستتداخل خصائص الذرات المفردة مع بعضها لتصنع ميزة هذا الطور وهي الظواهر الغريبة!

ولأن هذه السوائل ليس لديها لزوجة، فإنها ستتسلق جدران الإناء الذي يحتويها ليراها المراقب تتحدى قوانين الجاذبية والشد السطحي.
كذلك يمكن لها أن تتسرب بسهولة من الإناء عبر أي ثقب، وإن كان مجهريًا، فهي ليس لديها لزوجة.

وللسوائل الخارقة انتروبي حراري يساوي صفرًا، وهذا يعني أن جميع السوائل الخارقة لها نفس الانتروبي، ولو عُرّضت هذه السوائل الى الحرارة، فإنها ستوصل بسرعة فائقة لدرجة أنها تصنع موجات حرارية وهي خاصية لا توجد في أي سائل اعتيادي.

5- متكثف بوز-اينشتاين Bose-Einstein Condensate :

هو واحد من أغرب حالات المادة، وأصعبها فهمًا أيضًا.

تلخيصًا لهذه الحالة، فإنه في عام 1920 استند “آينشتاين” على عمل العالم الهندي “سيتندرا ناث بوز” ليقدم نوعًا جديدًا من المادة عن طريق تبريد عناصر محددة إلى أجزاء من الصفر المطلق، وعندها ستندمج دوالها الموجية لتخلق ذرة كبيرة خارقة واحدة.

عندها سيمكن مشاهدة خصائص عالم ميكانيك الكم على المستوى المجهري، لكن للاسف لم تتمكن التكنولوجيا من تحقيق حلم أينشتاين إلا بعد 70 سنة من اقتراحه.

وبعدها وتحديدًا في عام 1995 استطاع الباحثان “إيريك كورنيل” و”كارل ويمان” أن يدمجا 2000 ذرة ويحولاها إلى متكثف بوز-آينشتاين، وكانت هذه المادة كبيرة بما فيه الكفاية لعرضها على المستوى المجهري.

إن طور المادة هذا يشبه “السوائل الخارقة” لكنه ليس هي، العجيب في هذا المتكثف انه يستطيع إبطاء سرعة الضوء! وبالفعل استطاعت الباحثة “ليني هاو” من جامعة “هارفارد” أن تبطئ الضوء إلى سرعة 60 كم في الساعة فقط، وفي تجارب لاحقة استطاع الباحثون إيقاف الضوء تمامًا! هذه الاختبارات فتحت أبوابَ حقولٍ جديدةٍ في علوم الحوسبة الكمية والاتصالات المبنية على الضوء.

6-معادن جون-تايلر Jahn-Teller Metals:

هذه هي أحدث أطوار المادة التي وُجدت لأول مرة عام 2015، وإن نجحت، فإنها ستغير العالم بشكل هائل.

إن هذه المادة هي نوع جديد من التلاعب بالمواد الأصلية، إذ قام الباحثون بتحويل جزيئات كربون 60، وذلك بإدخال جزيئاتٍ من “الروبيديوم” إلى هيكل الكربون، ما أسفر عن خلق بنية هيكلية جديدة كليًا.

الغريب أنه لم يكن هناك ضغط خارجي مسلط لتغير البنية الهيكلية، فقد اقتصر الأمر على إدخال جزيئات جديدة إلى هيكل مسبق ما أجبر المادة على تغيير بنيتها لاستيعاب الذرات الجديدة، وهنا تظهر فائدة الكيمياء.

ومع الإدخال المستمر لذرات “الروبيديوم” إلى كربون 60، حاولت جزيئات الكربون أن تبقى في حالتها الأصلية ما صنع مادة تبدو أنها عازلة لكن لها الخواص الكهربائية للموصلات الخارقة ولم يُشهد تحول مادة عازلة لموصل خارق قبل هذه التجربة.

لكم هو أمر عظيم بالنسبة لنا؛ لأن هذا المعدن يستطيع أن يحتفظ بموصليّته الفائقة حتى عند درجات الحرارة غير المعهودة للموصلات الخارقة (135 سيليزية تحت الصفر بدلاً من 243.2 تحت الصفر).

وإن تم إكمال اختبارات هذا العنصر فإن استخدامه سيكون هائلاً في كل شيء من الأجهزة الإلكترونية والدوائر المتكاملة إلى المحركات الصغيرة، وذلك نظرًا لعظمة الموصليّة الفائقة إذ أنها لا تسبب خسائر في الطاقة.

7-بلازما كوارك-غلون Quark-Gluon Plasma :

إن تساءلت يومًا عما قد تكوّن بعد حدوث الانفجار العظيم، فاعلم أنه هذه المادة، فالكوارك جسيم أساسي؛ أي أنه لا يمكن تقسيمه (إلى الآن).

وهو الوحدة الرئيسية لبناء ما يسمى “الهيدرونات” ( كالبروتون والنيوترون)، وتتكون “الهيدرونات إما من ثلاثة كواركات أو كوارك واحد وكوارك مضاد، وللكواركات شحنة جزئية ومربوطة معًا بواسطة ما يسمى “الغلونات” (وتعرف بجسيمات القوة النووية القوية).

ولا يمكن رؤية كواركات حرة في الطبيعة أبدًا، فالوقت الوحيد الذي تواجدت فيه مع “الغلونات” هو بعد الانفجار العظيم ولم تستمر إلا لأجزاء من الثانية قبل اتحادها لتكوين “الهيدرونات” وكل ذلك وهي تتسارع بنسبة تقترب جداً من سرعة الضوء.

لقد وجدت هذه الجسيمات بفضل الحرارة المتطرفة إبّان ذلك الوقت وكان كامل الكون يتكون منها، ومن تلك اللحظة بدأت “الهيدرونات” بالتفاعل مع الإكترونات لتكوين ذرات العالم التي نألفها اليوم.

استطعنا اليوم أن نشاهد هذه الجسيمات للحظات في مسرع الجسيمات الكبير الذي تصادمت فيه “الهيدرونات” مع بعضها فولدت حرارة كافية، لأجزاء بسيطة جداً من الثانية، سمحت للكواركات بالانفصال والظهور مجردة وإن كان ذلك للحظات قليلة ولم تكن تلك مشاهدة بكل معنى الكلمة وإنما مراقبة لخواص تلك الجسيمات لأنها أصغر من أن تُرى.

وقد عرفنا، من خلال هذه التجارب، بعضًا من خصائص مادة “البلازما كوارك-غلون”، فقد وجدنا مثلاً أن جسيم تلك المادة كان يبدو عديم الاحتكاك تمامًا وأقرب ما يكون لسوائل من البلازما التقليدية التي يَألفها العلماء، وبينما يتابع العلماء دراسة هذه حالة الغريبة فإننا سوف نتعلم أكثر وأكثر عن سبب وكيفية تشكل كوننا بهذه الطريقة.

ترجمة: موسى جعفر

تدقيق لغوي: أهلّة العبيد

المصادر: 1