ماذا سيحدث لو تم تبنيك من عائلة مختلفة منذ الصغر؟

يعدّ النقاش الكلاسيكيّ المعروف في علوم الدماغ والنفس بمصطلح “الطبيعة مقابل التنشئة” أو “الطبيعة ضدّ التنشئة” قديمًا جدًا استمرّ لسنوات طويلة وقد يصعب حسمه بين العلماء. ففي حين يعتقد الكثيرون منهم أنّ الحالة العقلية للفرد هي نتاج العوامل والمتغيرات البيئية من حوله، إذ يولد كصفحةٍ بيضاء تعمل عوامل البيئة على ملئها وتلوينها لينتج ما هو عليه في مراحل حياته المختلفة، يرى آخرون أنّ جينات الفرد الوراثية هي المسؤولة عن حالته العقلية بما في ذلك سلوكياته وعواطفه وأفكاره وشخصياته وما إلى ذلك.

وفي محاولةٍ جادة لحسم ذلك النقاش، يميل آخرون إلى الاعتقاد بأنّ الدماغ هو نتاج التفاعل ما بين جينات الفرد الوراثية وبيئته المحيطة ومستوياتها المختلفة الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمهنية وغيرها. فعند الولادة يكون الدماغ البشريّ غير مكتمل التكوين بعد، إذ أنّ الخلايا العصبية فيه تكون بمعزل عن بعضها البعض، وتنطوي مهمته الرئيسية خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الفرد على إنشاء وتعزيز الاتصالات والترابطات بينها، أي تشكيل التشابكات العصبية المختلفة.

ومع تطور نموّ الطفل، تصبح التشابكات العصبية أكثر تعقيدًا، تخيّل الدماغ كشجرة ذات فروع وأطراف تنمو وتتشابك بتعقيد متزايد كلما زاد عمرها. وبالتالي، يبقى عدد الخلايا العصبية ثابتًا غير أنّ التشابك يزيد، والتشابكات التي تُستخدم أكثر تصبح جزءًا دائمًا من الدماع، في حين يتم استبعاد والتخلص من تلك التي يتم إهمالها أو تصاب بالكسل.

يكون الدماغ عند الولادة غير مكتمل التكوين بعد، وتنطوي مهمته الرئيسية خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الفرد على إنشاء وتعزيز الاتصالات والترابطات بين خلاياه العصبية، أي تشكيل التشابكات العصبية المختلفة.

أما بعد عمر الثالثة ولغاية العشر سنوات، تبدأ عملية تكوين عملية التشابكات العصبية بالتباطؤ والخفوت، وهنا تلعب الخبرة والتجارب دورها الهام في شحذ دماغ الطفل عن طريق تحفيز وتعزيز التشابكات العصبية من خلال تأثير البيئات العائلية والاجتماعية والتعليمية أو الثقافية وغيرها.

بكلماتٍ أخرى، تجربة الأطفال في سنواتهم الثلاث الأولى مع العالم من حولهم تكون أكثر اكتمالًا من الأطفال في أيّ عمرٍ آخر، إذ تكون قدرة الدماغ على الاستجابة للعالم الخارجي من خلال نظام الحواسّ الخمس بقدرةٍ فائقة تهيّئه للمراحل القادمة من عمره، وهذا يعني أنّ النمو الاجتماعي والعاطفي والمعرفي والجسدي واللغوي للطفل يتم تحفيزه أثناء التجارب التي تعتمد على الحواس المتعدة، وبالتالي فالرضيع يحتاج أكثر ما يحتاج إلى عالمٍ مليءٍ بالتحفيزات القائمة على التفاعلات مع المشاهد والأصوات والأشخاص من حوله.

ومن هذه النقطة نستطيع الاستنتاج الأسباب التي تجعل من التجارب بأشكالها المختلفة أكثرَ فعالية كلّما صغر عمر الفرد، خاصة حينما يتعلّق الأمر بالمهارات والمواهب واللغات. فبعد مرحلة البلوغ تصبح أدمغتنا أقل مرونةً ما يعني صعوبةً أكثر في تعلّم أشياء جديدة، من الحركة إلى اللغة إلى السلوك الاجتماعي، وهذا يفسّر بشكلٍ جيّد لماذا يكون الطفل على قدرةٍ أكثر احترافية وأعلى سرعة في اكتساب لكنةٍ معينة لإحدى اللغات مقارنة بكبار السنّ أو البالغين، إضافةٍ لصعوبة فقدانهم تلك اللكنة أو اللغة بغض النظر عن المكان الذي قد يستقرون فيه لاحقًا.

تعمل البيئة من جهتها على تشكيل الدماغ وتؤثر على تشكيلاته العصبية، وفي مرحلة ما بعد البلوغ يبدأ الدماغ بالتفاعل مع البيئة وإدراكها بناءً على طريقة تأثيرها عليه في مراحل عمره المبكّرة.

وهذا يعني أنّ تلك الفترة تتصف بحساسيتها لأيّ عاملٍ خارجيّ، فإهمال الوالدين لطفلهما أو تعرّضه لتجارب سلبية كالصدمات العاطفية والإجهاد المزمن أو أنواع أخرى من سوء المعاملة، ستؤثر حتمًا على تطوّر دماغه بطريقةٍ سلبية، الأمر الذي قد تستمرّ تبعياته ونتائجه في المراحل العمرية اللاحقة. فعلى سبيل المثال، تعمل التفاعلات العاطفية الإيجابية بين الطفل ووالديه على تحفيز الدماغ بطريقة تعزّز شعوره بالأمان العاطفيّ والاستقرار النفسيّ، الأمر الذي ينعكس على الطريقة التي يتفاعل بها الدماغ مع البيئات من حوله لاحقًا، والعكس صحيح.

إذن فيمكننا القول أنّ الأمر أشبه بحلقةٍ مغلقة، تعمل البيئة من جهتها على تشكيل الدماغ وتؤثر على تشكيلاته العصبية، وفي مرحلة ما بعد البلوغ يبدأ الدماغ بالتفاعل مع البيئة وإدراكها بناءً على طريقة تأثيرها عليه في مراحل عمره المبكّرة. لكنْ أين يكمن دور الجينات في عملية التطور هذه؟

على الرغم من أنّ الجينات والوراثة ترسم مخططًا أساسيًا محتملًا لنمو طفلك، إلا أنها لا تحدد اتجاه نموّه وتطوّر دماغه وقدراته المعرفية والإدراكية والاجتماعية.

يكون تطوّر الدماغ في هذه المرحلة العمرية محدّدًا وراثيًّا، إلّا أنّه يبقى دائمًا يخضع لاحتمالات إعادة التنظيم والتكوين في مواجهة التأثيرات البيئية المحيطة. فعلى سبيل المثال ، يولد بعض الأطفال مع ميل للتهوّر أو العصبية والحساسية تجاه الآخرين، وعندما تلتقي هذه الصفات الشخصية مع إهمال الوالديْن أو بعض التأثيرات البيئية السلبية، يمكن لدماغ الطفل أنْ تتطوّر وتتشكل بطريقة تؤدي إلى تعزيز العنف والعدوانية عنده، أما في حال قوبلت باهتمامٍ ورعاية محفوفة بالأمان العاطفيّ والاستقرار النفسيّ، فيمكن للدماغ الحدّ من الآثار السلبية لتلك السمات الوراثية، والتخلّص منها شيئًا فشيئًا.

فعلى الرغم من أنّ الجينات والوراثة ترسم مخططًا أساسيًا محتملًا لنمو طفلك، إلا أنها لا تحدد اتجاه نموّه وتطوّر دماغه وقدراته المعرفية والإدراكية والاجتماعية. وبمعنى آخر فإنّ البيئة ترشد الجينات لتحسّن بعضها البعض، وقد تقوم بإيقاف جيناتٍ أخرى أو إصماتها، الأمر ينطبق على بعض الصفات الجسدية تمامًا كالعقلية مثل الذاكرة والتعلم والذكاء العاطفي ومهارات التأقلم وحلّ المشكلات وما إلى ذلك. ومن خلال الأنشطة اليومية في تنشئة طفلك يكون لديك فرصةً أكبر للتأثير على دماغه وتطوّره العقلي واستيعاب وربط المعلومات التي يتلقاها من بيئته ومحيطه ما يبني عنده أساسًا للغة والعلاقات والأفكار والقدرات الإبداعية والتواصلية والمهاراتية.

خلال العقود الأربعة الماضية، أجرى العلماء دراسات طويلة الأمد على الأقارب ذوي السمات الخاصة، مثل التوائم والأطفال المتبنّيين؛ لاختبار تأثيرات الطبيعة والتنشئة، ونتج من هذه البحوث جبلٌ من الأدلة المبيّنة إسهام علم الوراثة المهم في جميع الاختلافات النفسية بيننا. في الواقع، تستأثر أحماضنا الوراثية «DNA» بحوالي 50% من الاختلافات بيننا في الشخصيات، والصحة العقلية وأمراضها، والقدرات المعرفية والإعاقات.

أجريت دراسات طويلة الأمد على الأقارب ذوي السمات الخاصة، مثل التوائم والأطفال المتبنيين؛ لأنهم يشكّلون أمثلة مميزة لاختبار تأثيرات الجينات وفصلها عن أثر التنشئة والرعاية.

ما معنى التأثير الجيني؟

قد تعني كلمة «جيني» أشياء متعددة، لكنها تحيل هنا إلى الاختلافات في تسلسل الحمض النووي «DNA»، هناك 3 مليارات خطوة على الدرج الحلزوني للحمض النووي الذي نرثه من آبائنا لحظة حدوث الحمل. من المذهل والمحيّر للعقل التفكير بالأثر العظيم والممتد الذي تحدثه هذه الاختلافات الموروثة المشكّلة للخلية الواحدة التي بدأنا الحياة بها.

تؤثر هذه الاختلافات في سلوكنا ونحن بالغون، بعد أن تتحول تلك الخلية الواحدة في البداية إلى تريليونات من الخلايا، وكلها تحمل الحمض النووي نفسه. وهي تنجو من المسارات الملتوية الطويلة بين الجينات والسلوكيات، مسارات تتعرج عبر التعبير الجيني والبروتينات والدماغ. تأتي قوة البحث الجيني من قدرته على اكتشاف تأثير تلك الاختلافات الوراثية في الصفات النفسية دون معرفة أيّ شيء عن العمليات المتداخلة اللاحقة.

من المذهل أن تترك خلية واحدة كل ذلك الأثر اللاحق في تحديد شخصياتنا وشكل الحياة التي سنعيشها.

فهم أهمية التأثير الجيني هو مجرد بداية القصة حين يأتي الأمر لفهم كيف يجعلنا حمضنا النووي «DNA» من نحن عليه. أوصلتنا دراسة الحالات الغنيّة بالمعلومات الجينية – مثل حالات التوائم والمتبنّيين- إلى بعضٍ من أكبر النتائج في علم النفس، لأنه وللمرة الأولى أصبح بإمكاننا فصل أثر الطبيعة عن أثر البيئة وفكّهما بعضهما عن بعض.

النتائج والاكتشافات

يذكر الكاتب نتيجتين رئيسيتين من نتائج دراسات علم النفس طويلة الأمد الدالّة على الفروق المهمة بين آثار الطبيعة والتنشئة على نفس الإنسان وشخصيته وسلوكياته اللاحقة في الحياة:

1- البيئة تتفاعل مع الجينات

هذه إحدى أهم الاكتشافات في هذا المجال وفقًا للكاتب، إذ إنه حتى معظم مقاييس البيئة المستخدمة في علم النفس – مثل جودة الأبوة، والدعم الاجتماعي، وأحداث الحياة- تظهر تأثرًا جينيًّا كبيرًا. كيف يكون ذلك والبيئات لا تمتلك حمضًا نوويًّا بنفسها؟ يتسلل الأثر الجيني إلى المشهد هنا لأن البيئة ليست عشوائية و«منفصلة هناك في الخارج»، ولا هي مستقلة عنا أو عن سلوكنا. نحن نختار، ونعدل، وحتى نصنع بيئاتنا بما يتماشى مع الميول الوراثية لدينا.

ليست البيئة مستقلّة ومنفصلة عنا، فالجينات تؤثر في البيئة وفي مقاييسها وعواملها وتغيّر من مفعولها.

لا يعني وجود الارتباطات بين ما ندعوه «البيئة» والسمات النفسية أن البيئات تتسبب بالسمات بالضرورة. على سبيل المثال، ترتبط الأبوة السيئة بسلوك الأطفال المعادي للمجتمع، ولكن هذا لا يعني أن الآباء هم من يتسببون في سلوك أطفالهم المعادين للمجتمع. يوضح الكاتب أن الأمر مختلف في الحقيقة؛ إذ يعود سبب هذا الارتباط إلى حد كبير لاستجابة الآباء السلبية لميول أطفالهم الجينية الأساس.

2- لا تعمل البيئة بالطريقة التي نتوقعها

ثاني اكتشاف حاسم يذكره الكاتب يتمثل في أن البيئة تعمل في الحقيقة بشكلٍ مختلفٍ تمامًا عن الطريقة التي كان أنصار النظرية البيئية يظنونها. بالنسبة لمعظم القرن العشرين، كانت تعتبر العوامل البيئية باعتبارها التنشئة والرعاية للاعتقاد السائد آنذاك بأن العائلة حاسمة بيئيًا في تحديد من سنصبح في المستقبل. لكن الأبحاث الجينية أظهرت خطأ ذلك المعتقد، إذ إننا سنصبح الشخص نفسه جوهريًّا في ما لو دخلنا في نظام التبنّي عند الولادة، وأنشأتنا وربّتنا أسرة مختلفة عن أسرتنا البيولوجية. يعود الكاتب للتذكير: التأثيرات البيئية مهمة وتمثل حوالي نصف الاختلافات بيننا أيضًا، لكنها غير منتظمة إلى حدّ كبير، وهي فرديّة وغير مستقرة، باختصار: عشوائية.

لو تبّنتك عائلة مختلفة منذ لحظة الولادة، هل سيترك ذلك أيّ اختلاف جوهري على شخصيتك؟

ماذا يعني أن تحددنا الجينات؟

إن اختلافات الحمض النووي «DNA» التي نرثها من أبوينا في لحظة حدوث الحمل، تبقى مصدرًا ثابتًا ومتواصلاً مدى الحياة لفرديّتنا النفسية، وهي «ورقة المخطط الزرقاء» التي تشكّلنا. تحوي ورقة المخطط عادة خطة البناء والصنع الرئيسية، ومن الواضح أنها ليست الهيكل ثلاثي الأبعاد الذي ينتج في النهاية. يمكن للبيئة أن تؤثر في الخطة وتغيرها مؤقتًا، ولكن بعد المطبات البيئية التي تصادفنا نعود إلى مسارنا الوراثي. ليس الحمض النووي «DNA» كل شيء، لكنه هو العامل الأكثر أهمية من كل شيء آخر حين يأتي الأمر للسمات النفسية الثابتة المشكّلة لماهيّتنا وشخصياتنا.

يشبّه الكاتب الجينات بورقة المخطط الزرقاء التي تُخطّ عليها معالم شخصياتنا الرئيسية الأكثر ثباتًا.

تدعو هذه النتائج إلى إعادة التفكير بشكل جذري في كل ما يخصّ الرعاية الأبوية، وتنشئة الأطفال، والتعليم، والأحداث المشكّلة لحيواتنا، كما تقدّم منظورًا جديدًا بالنسبة لتكافؤ الفرص، والحراك الاجتماعي، وبنية المجتمع.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1