حالات أخرى للمادة قد لا يعلم الكثيرون بوجودها (الجزء الأول)

لقد استطاع العلماء، بفضل جهودهم الاستقصائية والمختبرية، توسيع حالات المادة التي نعرفها فأصبح هنالك حالات بينية (مواد بين الحالة الصلبة والسائلة، أو بين السائلة والغازية)، ومواد متحللة، وموصلات خارقة، وسوائل خارقة نوجز بعضها في المقال التالي:

1- حالة امورفس الصلبة Amorphous Solids (حالة بينية):

لعلك تعلم مسبقًا أنّ المادة الصلبة تتميز بتركيب هيكلي مرتب لا يسمح للجزيئات بالحركة الحرة وهذا ما يعطي المواد الصلبة لزوجة عالية جدًا (وهي خاصية مقاومة الجريان أوالتدفق) أي أنّ المادة الصلبة لا يمكن أن تتدفق، بعكس المواد السائلة التي تكون جزيئاتها غير مرتبة هيكليًا ما يسمح بانزلاقها إحداها فوق الأخرى، والتدفق بحرية، وأخذ شكل الوعاء الذي يحتويها.

إلا أنه ثمة بعض المواد التي تكون بين هاتين الحالتين وتسمى “مادة أمورفس الصلبة” ويعني ذلك أنّ لتلك المواد تركيب هيكلي غير مرتب، مثل السوائل، ولكن لها أيضًا لزوجة عالية جدًا مثل المواد الصلبة.

ويمكننا أخذ الزجاج كمثال على مادة “أمورفس” الصلبة، لقد كان المتعارف عليه لآلاف السنين أن تبريد “السليكا” تحت نقطة غليانها يزيد صلابتها ويحولها إلى زجاج، فهل هذا الأمر صحيح؟ في الواقع كلا، “فالسليكا” لا تتصلب حقاً فهي، عندما تصبح زجاجاً، تحافظ على عدم انتظام جزيئاتها كأنها في الحالة السائلة لكن لزوجتها تزيد بشكل خارق لتمنع جريانها، وبهذا تبدو كأنها صلبة وهي ليست كذلك، وليست سائلة كذلك.

إنما هي حالة وسطية بين الاثنتين “في حالة امورفس الصلبة “، لكنك في الحياة اليومية لن تستطيع التمييز بين هذه الحالة والحالة الصلبة إلا بالنظر على المستوى الجزيئي.

2-السوائل فوق الحرجةSupercritical Fluids(حالة بينية):

عادةً ما يحدث الانتقال بين أطوار المادة الثلاثة المعروفة تحت تأثير الضغط والحرارة بنسب معينة، فمن المعروف أنه إذا تم تسخين السائل فإنه سيتحول بالاخير إلى مادة غازية.

لكن وفي نفس الوقت فإنك عندما تضيف الكمية المناسبة من الضغط، فستقفز المادة من الطور السائل إلى طور “السوائل فوق الحرجة”.

وكما عرفنا فإن حالة “أمورفس” هي حالة بينية بين الحالة الصلبة والسائلة، وحالة “السوائل فوق الحرجة” بينية كذلك لكن بين الحالة السائلة والغازية،ولديها خواص من الحالتين، فعلى سبيل المثال يمكن لهذه السوائل أن تمر من خلال المواد الصلبة، تمامًا مثل الغاز، لكنها تستعمل أيضًا كمذيب (خاصية للسوائل).

تستعمل هذه السوائل في تطبيقات كثيرة، فمثلاً ثنائي اوكسيد الكاربون فوق الحرج (Supercritical carbon dioxide) الذي يستعمل بشكل رئيسي في الاستخلاص مثل نزع الكافيين من البن، والكاكاو وأوراق الشاي، وهناك أمل في تطوير هذه المواد لتستخدم في محركات الاحتراق الداخلي، وكنتيجة لذلك يمكن تخفيض الوقود اللازم لرحلة 100 كم إلى 3 لتر فقط!

3-الحالة المتحللة Degenerate Matter:

بينما يمكن تواجد الحالات السابقة في الأرض، فإنّ هذه المادة توجد في مكان أبعد قليلاً… توجد في النجوم وفي أنواع خاصة منها، وهي حالة لا تؤثر بها الحرارة، فتنتج أساسًا بفعل الضغط، ويجب أن تعلم أن لهذه المادة نوعان:

أ-المادة المتحللة الإلكترونية:

تتواجد هذه المادة حصرًا في النجوم القزمة البيضاء white dwarf stars، وتنشأ هذه المادة في قلب النجم الأبيض بسبب ضغط ذرات النجم الأخرى التي تؤثر على الإلكترونات في ذرات قلب النجم وتحاول جعله أقرب ما يمكن إلى النواة (أي في أدنى مستوى طاقة).

لكن هذه الجسيمات تقاوم ذلك الضغط فتنشئ قوة معاكسة للقوة الأصلية نتيجة قوانين ميكانيك الكم (مبدأ باولي للاستبعاد).

وهذه المادة تنشأ فقط في النجوم التي لا تتجاوز حد تشاندراسيخار Chandrasekhar limit (وهو أقصى كتلة يمكن أن تكون لقزم أبيض، والتي تبقيه على حالته، فإن تجاوزها تحول إلى قزم أزرق.

يساوي حد تشاندراسيخار 1.44 كتلة شمسية، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل “سابرامانين تشاندراسيخار”.

ب- المادة المتحللة النيوترونية: والتي تنشأ حصرًا في النجوم القزمة الزرقاء blue dwarf stars، وهي حالة متقدمة من النجم الأبيض؛ أي أنه عندما يكون ضغط ذرات النجم أعلى من حد تشاندراسيخار، فإن الإلكترونات لن تستطيع مقاومة هذا الضغط، كما في النجم الأبيض، لذا سوف تندمج مع النواة (بروتونات النواة تحديدًا)، لتكون نيوترونات حرة بدون ذرات، فيكون قلب النجم عندها مكوّن من النيوترونات بشكل نقي.

ربما ستسأل لماذا لا تتكون هذه المادة في المختبرات، بما أننا نستطيع انتاج النيوترونات؟ والجواب يكمن في كون النيوترون لا يستطيع البقاء خارج النواة لأكثر من 10 دقائق تقريبًا، فهو ينحل إشعاعيًا.

وفي المقابل، فإنه إن وجد في قلب نجم، فسيُتاح له التواجد خارج النواة لتكوين “المادة النيوترونية المتحللة” بفضل كتلة النجم.

ملاحظة:- على الأغلب، هنالك حالات أخرى للمادة المتحللة قد تتواجد في نجوم خاصة تُسمى “النجوم الكواركية” أو “نجم الكوارك” وهو حالة للنجم بين مرحلة النجم الأزرق والثقب الأسود عندما تخرج الكواركات من الذرات في قلب النجم وتكوّن خليطًا من الكواركات.

المشكلة أننا لم نكتشف إلى الآن أيّ نجمٍ كواركي، لذا لا نستطيع الجزم بوجود هذه المادة، لكنها موجودة نظريًا على الأقل.

ترجمة: موسى جعفر

تدقيق لغوي: أهلّة العبيد

المصادر: 1