كيف أوضح فرويد بأننا “لا شيء سوى عُصبة من القتلة”؟

الحرب العالمية الأولى, التي انتهت قبل مائة عام بالضبط، عززت وجهة نظر فرويد القائلة بأن الحرب لا توقظ نبضات العنف في البشر لكنها تمزق غطاء الحضارة الرقيق وتجعلنا نواجه الوحشية داخلنا. الجريمة البدائية سيكفر عنها على حساب مبدأ اللذة، وستشاد الحضارة كلها على مبدأ اللذة المقموع، فكل حضارة ملزمة بتشييد نفسها -كما يقول فرويد- على الإكراه وعلى نكران الغرائز.

في الساعة 11 صباحًا. في يوم الاثنين 11 نوفمبر 1918 (الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر)، تم توقيع الهدنة بمناسبة نهاية الحرب العالمية الأولى في قطار في غابة كومبيين بفرنسا. كانت الحرب الأولى التي وصفت بأنها “الحرب لإنهاء كل الحروب”. وفي تلك اللحظة، بدا هذا الأمر حقيقة.

سيغموند فرويد قد فهم قبل فترة طويلة أن كل الحضارات كانت في الأساس قطعة رقيقة من الدانتيل، والتي نسجتها الأجيال تلو الأجيال في محاولة قاسية لتغطية الهاوية العميقة للروح. تم انتقاد فرويد والسخرية منه لكن كانت الحرب العظمى وحشية بما يكفي لتأكيد رؤاه.

خلال الحرب، تضاءلت الممارسة السريرية لفرويد. كما فقد كل مدخراته، التي كانت مرتبطة بالسندات النمساوية، وبالكاد تمكن من إعالة أسرته. مع مزيد من الوقت بين يديه، كرس نفسه بشكل رئيسي للكتابة، وغالبًا بأصابع ترتجف من البرد من دون مدفأة. كان من بين كتاباته خلال هذه الفترة مقالتين عن الحرب.

في مقالته “أفكار حول الحرب والموت: خيبة الأمل في الحرب” ، التي كُتبت بعد ستة أشهر من بدء القتال، عبر فرويد بشكل غير معهود عن مشاعر الارتباك والعجز وعدم القدرة على فهم أحداث اليوم. في عمر 58 عندما اندلعت الحرب، عاش فرويد فترة سلام طويلة في أوروبا. في عصر “القرية العالمية الأولى” في أوائل القرن العشرين، كان بإمكان مواطني الدول الغربية الانتقال من بلد إلى آخر أو السفر بشكل عفوي إلى دول أخرى دون ترتيبات مسبقة أو وثائق خاصة.

كتب في مقاله “بلا شك، أن الحروب لا يمكن أن تتوقف أبداً طالما أن الأمم تعيش في ظل هذه الظروف المتفاوتة إلى حد كبير، طالما أن قيمة الحياة الفردية يتم تقييمها بشكل مختلف فيما بينها “. لكن الحرب التي اندلعت هي بين البلدان التي تشترك في ثقافة وأسلوب حياة متشابهين، بين أناس من نفس العرق, مما جعل الامر غير مصدق حتى بالنسبة لفرويد.

لم يقتصر الأمر على قتل افراد من الجنس الأبيض لبعضهم البعض، بل كانوا يفعلون ذلك بجهد ونجاح لم يسبق له مثيل. حتى العلم، الذي علق فرويد كشخص ليبرالي أمالهُ عليه، شكل خيبة أمل عميقة له. حيث العلماء كانوا يبحثون عن أسلحة أكثر فاعلية. في رسالة إلى المحلل النفسي لو أندرياس-سالومي خلال تلك الفترة، كتب فرويد: “ليس لدي شك في أن البشرية سوف تتغلب على هذه الحرب أيضًا، لكن أعرف على وجه اليقين أنني ومعاصري هذه الحرب لن يروا العالم مُبهجًا بعد الأن. إنهُ حقيرٌ جدًا “.

شعر فرويد بحزن عميق، لكن لم يكن متفاجئًا. فبعد كل شيء، يبدو أن ما دمرته الحرب كان مجرد وهم. لم تنجرف فصيلتنا إلى أدنى مستوى كما كنا نخشى، لأنها لم ترتقي أبدًا كما كنا نعتقد. فالبشر لم يكونوا أبدًا بهذا القدر من النُبل والعظمة.

وفقًا لفرويد لقد اعتقدنا خطأً أن البشر هم أفضل وأكثر أخلاقية مما هم عليه حقًا، لأن غرائز الآخرين تظل مخفية أمامنا دائمًا. يتطلب المجتمع المتحضر سلوكًا “جيدًا” ولا يهتم إذا كان أصل هذا السلوك هو إدراك حقيقي لقيمه أو مجرد الخوف من العقاب أذا تجاوز القواعد المقبولة. الجماهير التي تلتزم بمتطلبات المجتمع لا تفعل ذلك بطبيعتها بل إنهم يخضعون للقمع المستمر للغريزة، والتوتر الكبير الذي يخلقه هذا يتجلى في العصاب والأمراض النفسية.

يقول فرويد ” لطالما أوضح لنا علماء وفلاسفة الطبيعة البشرية أننا مخطئون فيما يتعلق بأعتبار ذكائنا كقوة مستقلة والتغاضي عن اعتماده على الحياة العاطفية “. ” فكرنا, لا يمكن أن يعمل بشكل موثوق إلا عندما يتم إزالت تأثيرات النبضات العاطفية القوية. وإلا فإنه يتصرف فقط كأداة للإرادة ويقدم الاستنتاج الذي تتطلبه الإرادة. ” يبين التحليل النفسي أن حتى أكثر الأشخاص نباهة وذكاء سيتصرف مثل البلهاء عندما تصطدم الحكمة والذكاء بمقاومة عاطفية.

حين اندلعت الحرب كان فرويد نفسه يتمسك بالوطنية. وقال: “لأول مرة منذ 30 عامًا، أشعر أني نمساوي” وأيد بحماسة موقف النمسا المتشدد ضد صربيا.

يبدو أن أطفال فرويد اخذوا بعضًا من هذه الوطنية. تطوع ابنائه الثلاثة، مارتن، وأوليفر وإرنست للخدمة العسكرية على الرغم من أنهم لم يكونوا ملزمين بذلك. تم إرسالهم إلى الأمام في الجبهات. كان لأبيهم حلم في إحدى الليالي رأى فيه موت مارتن أحد أبنائه، (رغم أن كلهم نجوا من الحرب). اكتشف فرويد في وقت لاحق أن مارتن أصيب في تلك الليلة على الجبهة الروسية, وهو اكتشاف قاده إلى دراسة التخاطر.

أدى وجود الموت الدائم في أفكاره خلال الحرب إلى استنتاجات مثيرة ومكتئبة أخرى حول الطبيعة البشرية، والتي شاركها في حديث في مأوى في فيينا 15 فبراير 1915. شكلت هذه المحاضرة أساس مقالته “موقفنا من الموت” ، حيث جادل بأن موقف أسلافنا من الموت تميز بعدم التناسق. لم يكن الإنسان البدائي مضطربًا على الإطلاق بسبب وفاة الشخص الغريب، الذي كان يُنظر إليه على أنه حدث لا أهمية له، ولم يتردد في التسبب في وفاته بقسوة أكبر بكثير مما هو موجود في العالم الطبيعي. يمكن رؤية نتيجة هذا الموقف في كتب التاريخ، التي تتكون بشكل رئيسي من سلسلة من عمليات القتل.

إن الموقف من موت أشخاص مرتبطين بشكل وثيق أكثر تعقيدًا. عندما رأى الإنسان البدائي شخصًا مقربًا منه يقتل، اعترض على ذلك. لكن قانون التناقض العاطفي، الذي يسيطر على علاقاتنا حتى يومنا هذا مع الناس الذين نحبهم أكثر, أدخل شيئًا من الرضا حتى عند وفاة أحد الأحباء. ” يظهر الحب والكراهية دائمًا معًا ” ، كما كتب فرويد، لأن الحب هو استجابة للنبضات المعادية التي نشعر بها حتى تجاه شخص مقرب وعزيز علينا، لأنه حتى أقرب شخص لا يزال دائمًا غريبًا.

وقال فرويد إن الصراع العاطفي فيما يتعلق بوفاة الأحبة هو ما أدى إلى ظهور علم النفس والدين. على قبر المحبوب نشأت مذاهب الروح والاعتقاد في الخلود، وهذا هو المكان حيث نشأت مشاعر الذنب التي وَلدت أولى الحتميات الأخلاقية. كان أهم قانون تحريمي نتج عن ضمير الصحوة هو “لا تقتل” وقد تم تصويره منذ البداية كرد فعل على الكراهية الخفية وراء الحداد لأحبائهم الذين ماتوا, ثم توسع فيما بعد ليتم توجيهه للغرباء وفي النهاية للأعداء أيضًا.

يقول فرويد: “لا يمكن توجيه مثل هذا التثبيط القوي – منع أو تحريم- إلا ضد قوة دوافع متساوية”. ما لا يرغب الإنسان في فعله لا ينبغي أن يكون مُحرمًا ! إنه أمر ذاتي حصريًا. إن تأكيد الوصية: لا تقتل، يجعلنا متأكدين من أننا ننحدر من سلسلة طويلة من الأجيال القتلة، الذين كان حبهم للقتل في دمائهم كما هو الحال بالنسبة لنا.

نحن “لا شيء سوى عُصبة من القتلة” الشيء الوحيد الذي تغير هو موقفنا الثقافي تجاه الموت. فالحرب لا توقظ النبضات العنيفة، بل “تتخلص من رواسب الحضارة المتأخرة، وتسمح للإنسان البدائي فينا أن يعاود الظهور”.

أنتهى فرويد إلى أن الحرب لا يمكن إلغاؤها. ولذلك يجب أن نعترف بأننا نتجاهل الواقع في موقفنا المتحضر تجاه الموت.

يتسائل: “ألم يكن من الأفضل إعطاء الموت المكان الذي يستحقه في الواقع وفي أفكارنا والكشف عن المزيد من موقفنا اللاواعي تجاه الموت، والذي قمنا حتى الآن بقمعه بعناية؟”

SIGMUND FREUD Ultimate Collection

إعداد: فرح علي

المصادر: 1