دراسة تشير إلى أن الكلاب تطوروا من مجموعتين مختلفتين من الذئاب

الأصل الدقيق لرفقائنا الكلاب غارق في الجدل. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الكلاب نشأت من مجموعتين مختلفتين من الذئاب القديمة وليس واحدة. علاوة على ذلك إن هذا التدجين المزدوج وقع على طرفين متعاكسين من القارة الأوراسية.

ظهرت الكلاب للمرة الأولى منذ حوالي 15.000 سنة، قبل فترة طويلة من ظهور الزراعة ، وهي تمثل أول الحيوانات الداجنة المعروفة. برزت من الذئاب القديمة، إلا أن العلماء ليسوا متأكدين كليًا ما إذا كان التدجين المنوي قد حدث في أوروبا أو في آسيا.

دراسة جديدة نُشرت في (Science) تشير إلى وجود حقيقة في كلا الادعاءين. وقد خلصت دراسات سابقة إلى أن الكلاب تعرضت على الأرجح لعملية التدجين لمرة واحدة فقط، ولكن توقيت و أصل هذا الحدث كان محط جدال. تعقيد المسألة يكمن في الأدلة الأثرية المتعارضة التي تبين أن الكلاب القديمة عاشت سابقًا في كلا جانبي القارة الأوراسية عدة آلاف من السنين. وتُظهر الدراسة الجديدة أن تدجين الكلاب تم على الأرجح في مناسبتين مختلفتين على الأقل وفي جزأين مختلفين من العالم.

من خلال مقارنة البيانات الجينية مع الأدلة الأثرية، أظهر فريق دولي من الباحثين تقوده جامعة (أوكسفورد)، أن الكلاب ظهرت بشكل مستقل من شعبين منفصلين من الذئاب[ أو بدقة أكبر، الذئاب الأجداد التي انقرضت الآن، هي الأسلاف المشتركة لكلا الذئاب الحديثة والكلاب] والتي عاشت في غرب أوراسيا وشرقها. وهذا يعني أن مجموعتين مختلفتين من بشر العصر الحجري توصلتا بشكل مستقل إلى نفس النتيجة، وهي أن هذه الحيوانات الذكية التي تمشي على أربع أرجل يمكن تربيتها للعيش والعمل بين البشر.

كشف النقاب عن جزء مهم من هذا اللغز قبل عدة سنوات في ممر قبور العصر الحجري الحديث في (Newgrang) في إيرلندا. يوجد في هذا الموقع كلب متوسط الحجم يبلغ من العمر 4800 عام، وما يزال ممكنًا استخراج حمضه النووي.

“وكانت عظام كلب (Newgrang) تتوفر على أفضل حمض نووي قديم مُحافَظ عليه صادفناه من قبل في أي وقت مضى، ما يعطينا جينوم يعود لعصور ما قبل التاريخ وذا جودة عالية نادرة”، وقال الكاتب {دان برادلي} من كلية (ترينيتي) في دبلن: “إنها ليست مجرد بطاقة بريدية من الماضي، لكنها بالأحرى طرد كامل وخاص”.

فريق {برادلي} وبمساعدة الباحثين من المتحف الوطني للتاريخ الوطني في باريس، جمعوا وحللوا أيضًا الحمض النووي للميتاكوندريات من بقايا 59 كلبًا قديمًا عاشوا في الفترة المتراوحة بين [3.000 إلى 14.000] سنة الماضية.

توقيعاتها الجينية، بما في ذلك توقيع كلب (Newgrang) تمت مقارنتها عندئذٍ بجينومات أكثر من 2500 كلبًا حديثًا دُرِست سابقًا.

“إعادة تشكيل الماضي باعتماد الحمض النووي الحديث مثل النظر في كتب التاريخ، أنت لا تعرف أبدا ما إذا كان قد تم محو أجزاء مهمة أو لا” ويقول الكاتب الرئيسي {لوران فرانتز} في بيان له: ” من جهة أخرى إن الحمض النووي القديم مثل آلة الزمن، يسمح لنا ملاحظة الماضي مباشرة”.

تشير هذه البيانات إلى انقسام وراثي عميق بين الكلاب من منطقتين جغرافيتين مختلفتين، حدث بعد عدة آلاف من السنين بعد أول ظهور معروف للكلاب في أوروبا وشرق آسيا. ويبدو أيضًا أن سكان أوروبا عرفوا حالة تحول كبيرة في الكلاب، تلك التي حلت محل شعوب الكلاب المدجنة الأولى التي عاشت هناك، وهذا يعني تدفق كلاب مختلفة من مكان آخر، وتحديدًا شرق آسيا. ووفقاً للبحث، ظهرت أسلاف هذه الكلاب الحديثة في كل من شرق وغرب أوراسيا منذ أكثر من [12.000 سنة]، ومنذ [8000 سنة] في وسط آسيا.

وربما حدث الأمر على هذا الشكل: سكان أولون من أسلاف الذئاب انقسموا إلى ذئاب شرق أوراسيا وذئاب غرب أوراسيا والتي تم تدجينها بشكل مستقل قبل الانقراض. وفي مرحلة ما بعد حدث التدجين المزدوج هذا( حوالي 6400 سنة )، سافرت الكلاب الشرقية إلى أوروبا مع أصحابها البشر المهاجرين، وبعد ذلك اختلطت وحلت جزئياً مكان الكلاب الأوروبية الأولى.

اليوم؛ معظم الكلاب هي مزيج من كل من الكلاب الشرقية والغربية. وهذا ما يفسر لماذا كان صعبًا على العلماء فك شيفرة الحمض النووي للكلاب الحديثة. ويقول الباحثون أن بعض السلالات مثل كلب (غرينلاند والهسكي السيبيري)، تبدو أنها تمتلك أصولًا مختلطة من أنساب كلاب غرب أوراسيا وشرق آسيا.

هذا البحث الجديد يجيب على مجموعة من الأسئلة التي لا حل لها، لكن لازال هناك المزيد من العمل الذي يجب القيام به.

إنه غير قابل للتصديق، على سبيل المثال، وجود قصة الأصل الواحد للكلاب الأوراسية، متبوعة بانتقال مبكر إلى أوروبا، المشكلة هي وجود نقص كبير في الأدلة الأثرية التي تدعم هذا الأمر.

وفي المستقبل، يرغب الباحثون أن يجمعوا بين البيانات الجينية القديمة والحديثة مع التحليل الفيزيائي المفصل والبحوث الأثرية لوضع جدول زمني معدل للأحداث، ولإثبات أفضل للأصول الجغرافية لصديق الإنسان المفضل. فكرة أخرى جيدة ستكون القيام بتحليل مقارن للكلاب القديمة مع كلب (الدنغ) الأسترالي، والذي من المرجح أنه ينحدر من كلاب شرق آسيا. هل سيفتقر (الدنغ) إلى أي آثار من الحمض النووي الأوروبي؟! هذا من شأنه أن يزيد من تعزيز النظرية الجديدة، نظرية المنشأ المزدوج.

ترجمة: نوال ادامغار

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

المصادر: 1