وفقًا لعالم الأعصاب أنيل سيث: إن الواقع عبارة عن مجموعة “هلاوس دماغية” متفق عليها بشكل جماعي!

عندما نفكر في الهلوسة، نفكر في ظاهرة ليست حقيقية, تم إنشاؤها بطريقة ما, بسبب شذوذ في أذهاننا. لكن من منظور واحد، هذه الأوهام البصرية هي حقيقية مثل أي شيء آخر قد نراه. تعمل ملايين من الخلايا العصبية في دماغك لتصنع تجربة واعية – ليست أي تجربة واعية، تجربتك عن العالم من حولك وعن نفسك بداخله – بالنسبة لعالم الأعصاب أنيل سيث، حين نوافق على هلاوسنا، عندها نطلق عليها “واقع”.

يقوم أنيل سيث، عالم الأعصاب ومدير مركز ساكلر للعلوم الادراكية بجامعة ساسيكس، بدراسة الأساس البيولوجي للوعي. يعد مركز ساكلر مركزًا أساسيًا ليس فقط لعالم الأعصاب سيث، ولكن أيضًا للفلاسفة والفيزيائيين وعلماء الحاسوب، حيث ينشئون لوحة متعددة التخصصات يمكن من خلالها النظر في الأسئلة المتعلقة بالوعي والدماغ. يقوم سيث وفريقه بتطبيق مجموعة من الأساليب والأدوات – بدءًا من العلوم الحسابية والواقع الافتراضي إلى طرق تصوير الدماغ – لتحديد الآليات التي تشكل الوعي.

يفسر سيث الأدراك بأنه مجموعة من التصورات والتي هي مزيج من النبضات الكهربائية والتنبؤ. يجمع الدماغ بين الإشارات الحسية، ويعالجها في سياق ما يعرفه من الماضي، ويخمن ما يحدث في الوقت الحقيقي الحالي. على سبيل المثال، قد نرى كائنًا من خلال القشرة البصرية، ولكن ما يساعدنا في تحديد الكائن المذكور هو الخلاصة السابقة للمعلومات التي تراكمت لدينا حتى هذه الحظة. وهذا هو السبب الذي يجعله يقول أن واقعنا الواعي يشبه إلى حد كبير الهلوسة – والفرق الوحيد هو أننا نتفق بشكل جماعي على هذه الهلوسة المحددة ونعتبرها حقيقة. وقال في حديث لـ Ted Talk عام 2017: ” نحن لا ندرك العالم بطريقة غير مباشرة فقط، إنما نحن فعليًا نكونهُ”.

وفقًا لسيث: إذا كانت الهلوسة نوعًا من الإدراك غير المتحكم به، إذاً الإدراك هو أيضاً نوع من الهلوسة، لكنها هلوسة مُتحكَّم بها حيثُ تُحكَم تنبؤات العقل من خلال معلومات حسية من العالم. في الحقيقة، كلنا نهذي طوال الوقت، بما في ذلك الوقت الحالي. فقط عندما نتفق على هذا الهذيان نسمي ذلك واقعًا..!

أصبح سيث، الذي نشأ في أوكسفوردشاير بإنجلترا، مفتونًا بالوعي في سن التاسعة عشر من خلال عدسة الرياضيات والفيزياء. في جامعة كامبردج، بدأ في قراءة الكتب حول هذا الموضوع أثناء دراسة العلوم الطبيعية.

في كتاب “عقل الإمبراطور الجديد”، يفترض روجر بنروز عالم الفيزياء والرياضيات، أن بعض أجزاء العقل البشري لن يتم تكرارها أبداً بواسطة آلة. وفي تفسير الوعي وصفه العالم المعرفي دانييل دينيت بأنه مجموعة من النشاطات الدماغية، وليس كيان مركزي قائم بذاته. لكن سيث لم يكن راضيًا حيث قال: “لا بد أن هنالك شيء مفقود هنا, وأن ذلك أعطاني الدافع للتفكير بأني أريد معرفة المزيد”.

لكن لم يعتقد أن من الممكن دراسة الفكرة الأساسية للوعي على وجه التحديد حتى عام 2001، عندما سافر إلى معهد العلوم العصبية في سان دييغو كاليفورنيا للعمل مع جيرالد إيدلمان، عالم الأحياء الحائز على جائزة نوبل والذي يعتقد بأن العقل والوعي بيولوجيين بحتين. شرح في كتابه الدارونيية العصبية، أن نظريته تتركز على كيفية تأثير الوراثة والبيئة على الطريقة التي تتفاعل بها الخلايا العصبية في الدماغ وتتكاثر لخلق الوعي.

كان دوره في سان دييغو متعدد الأوجه. قضى سيث وقته في بناء الروبوتات التي تحاكي بنية الدماغ البشري. كُلفت الروبوتات بحل مشاكل الإدراك البصري. ولكن عندما انتهى التمويل، كان سيث بحاجة إلى إيجاد طريقة لمواصلة استكشافه للوعي. في عام 2006، عاد سيث إلى إنجلترا ووصل إلى جامعة ساسيكس مع دعم مختبره الجديد. قام ببطء ببناء فريق لدراسة كيفية وعي الدماغ لمفهوم الذات والعالم من حوله.

وقال عن هذه العملية: “لقد تطلب الأمر من الفلاسفة المحترفين أن يدرسوا علم الأعصاب، ومن علماء مثلي أن يصبحوا ملمين بالفلسفة”.

تدير منهجيات المختبر نطاقًا كبيرًا أيضًا من التجارب مثل تجارب الواقع الافتراضي لفهم الهلوسة وكيف نعرف ما إذا كان كائنًا ما موجودًا فعلًا. وهناك نماذج حاسوبية لاختبار نظرية الآلة الوحشية، التي طرحها الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، والتي تقول إن الحيوانات تختلف عن البشر في كونها آلات غير مفكرة وعديمة الشعور.

يقول سيث، الذي تعامل مع نوبات اكتئابية لسنوات عديدة، إن دراسته للتجربة العاطفية وكيف يتم بناؤها ساعده على فهم عقله. يستطيع أن يقول لنفسه قصة مختلفة ويكسر دائرة أفكاره بمعرفة كيفية خلق الواقع.

قال سيث إنه يأمل أن يكون هناك تطبيق أكبر لعمله عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية. وإن فهم الوعي يمكن أن يساعد في الكشف عن بعض آليات الاضطرابات المعقدة مثل الفصام والأوهام. خبراتنا عن العالم من حولنا ومن أنفسنا من الداخل هي أنواع من الهلوسة المُتحكم بها والتي تشكلت عبر ملايين السنين من التطور لتُبقينا على قيد الحياة في عوالم مليئة بالأخطار والفرص.

نحن نتنبأ بأنفسنا داخل الوجود. ويمكننا أن نُخطئ بتصور العالم، يمكننا أن نًخطئ بتصور أنفسنا عندما تفشل آليات التنبؤ. إدراك هذا يقوم بفتح آفاق جديدة في علم النفس والأعصاب، لأنه باستطاعتنا أخيراً أن نصل إلى آلية العمل بدلاً من أن نعالج الأعراض فقط في حالات مثل الاكتئاب وانفصام الشخصية.

في الوقت الحالي يفتقر الطب النفسي إلى هذا النوع من العلاج. “يمكنه تخفيف الأعراض، لكنه لا يصل إلى السبب.” لكن سيث حريص أيضًا على تجنب رؤية اكتشافاته كوصفة طبية. وقال إنه لا تزال هناك أسئلة ضخمة يجب الإجابة عليها، وأن الفريق أمامه طريق طويل.

سيث: “أشعر بشعور الارتباط بالعالم من حولي والذي ينبع من دراسة الوعي. إنه ذلك النوع العمل الذي حتى لو وصلت فيه إلى نقاط مرضية، فهناك دائمًا شيء آخر ينتظر”.

ترجمة: فرح علي

المصادر: 12