ما الذي كانت تعنيه حقًا الفيلسوفة “حنا آرندت” بتفاهة الشر؟

هل يمكن للإنسان أن يفعل الشر دون أن يكون شريرًا بالضرورة؟ هذا هو السؤال الذي تصارعت معه حنا آرندت مرجع الفلسفة السياسية في القرن العشرين، في سنة 1961 عندما أرسلت من قبل صحيفة النيويوركر البريطانية لتغطية محاكمة القائد النازي كارل أدولف أيخمان Karl Adolf Eichmann. المسؤول عن تنظيم نقل ملايين اليهود وغيرهم إلى معسكرات الاعتقال المختلفة لدعم عملية “الحل النهائي النازي”.

وجدت أرندت أن أيخمان كان عاديًا، بل سطحيًا، لم يكن منحرفًا ولا ساديًا، ولكنه “طبيعي بشكل مرعب”. لقد تصرف دون أي دافع غير تعزيز مهنته في البيروقراطية النازية. لم يكن أيخمان وحش غير أخلاقي، قام بأعمال شريرة دون نوايا ودوافع شريرة. لم يدرك أيخمان ما كان يفعله بسبب “عدم القدرة على التفكير من وجهة نظر شخص آخر”.

وبسبب افتقاره إلى هذه القدرة المعرفية الدقيقة، كما قالت “يرتكب جرائم في ظل ظروف تجعل من المستحيل عليه أن يعرف أو يشعر أنه كان على خطأ” فالعجز عن التفكير مكن رجالًا عاديين كثر من تنفيذ أفعال متوحشة هائلة. وانطلاقًا من هذا الحدث ابتدعت مفهومًا جديدًا “تفاهة الشر” بديلاً للمفهوم الكانطي “الشر الجذري” الذي كانت تعتقد به.

لم يكن شريرًا بطبيعته كان رجلًا انجرف إلى الحزب النازي، بحثًا عن الهدف والتوجيه ولم يكن ذلك نابعًا من عقيدة إيديولوجية عميقة. يذكّرنا أيخمان ببطل رواية “الغريب” (The Stranger) (1942) لألبير كامو، الذي يقتل رجلاً بشكل عشوائي وبطريقة غير رسمية، ولا يشعر بعد ذلك بالندم. لم يكن هناك نية محددة أو دافع شرير واضح: الفعل قد “حدث” فحسب.

لم يكن هذا انطباع سطحي أولي لآرندت عن أيخمان، حتى بعد 10 سنوات من محاكمته في إسرائيل، كتبت في عام 1971:

لقد صُدمت خلال المحاكمة أنّ أيخمان كان يتكلم بلغة نمطية وسطحية ذات طابع رسمي وإداري، كان يتكلم كموظف بيروقراطي ينفذ أوامر سادته دون أن يملك الجرأة على التفكير. كانت الأفعال وحشية، لكن الفاعل – الفاعل الأكثر فعالية في المحاكمة الآن – كان عاديًا وشائعًا جدًا ولم يكن شيطانيًا ولا وحشيًا. إنّ الشر المرتكب من طرف أيخمان ليس جذريًا، لأنّه ليست له جذور في داخله ولا يتضمن أيّ إرادة لفعل الشر من أجل الرغبة في الشر. فالشر دائمًا متطرف وليس جذري.

كانت أطروحة تفاهة الشر نقطة اشتعال الجدل بالنسبة إلى نقاد أرندت، بدا من غير الممكن تفسير كيف لشخص مثل أيخمان الذي لعب دورًا رئيسيًا في الإبادة الجماعية النازية ليست لديه نوايا شريرة..! فكيف أمكن لإنسان لم يكن متعصبًا ولا معاديًا للسامية أن ينخرط في عملية “الحل النهائي”، بمعنى إبادة الملايين من الأشخاص؟

ماري مكارثي وهي روائية وصديقة جيدة لأرندت، أعربت عن عدم فهمها الشديد: “يبدو لي أن ما تقوله هو أن أيخمان يفتقر إلى نوعية إنسانية متأصلة: هي القدرة على التفكير والوعي والضمير. لكن أليس هذا وحشًا ببساطة؟”

انتقد الفيلسوف ألان وولف، في فيلم “الشر السياسي: ما هو وكيف تتم محاربته” (2011)، أرندت لقيامها بـ “التحليل النفسي”، أي تجنب قضية الشر على أنها شر من خلال تعريفها في السياق المحدود لظاهرة إيخمان. كما قال وولف بأن آرندت ركزت أكثر من اللازم على من كان أيخمان، وليس ما فعله أيخمان. بالنسبة لنقّاد أرندت، بدا هذا التركيز على حياة أيخمان البغيضة المبتذلة وكأنه “استهتار ” بأفعاله الشريرة ويستمر الجدل إلى يومنا هذا.

قبل كتاب أيخمان في القدس، اتخذت بالفعل موقفًا معاكسًا. في “أصول التوتاليتارية”، زعمت أن شر النازيين كان مطلق وغير إنساني، وليس ضحلًا وغير مفهوم، هو التجسيد المجازي للجحيم نفسه: “إن حقيقة معسكرات الاعتقال لا تشبه سوى صور الجحيم في القرون الوسطى. ”

في كتاباتها السابقة لمحاكمة أيخمان فإن الشر المطلق، الذي يجسده النازيون، كان مدفوعًا بنوايا جريئة وشريرة لإلغاء الإنسانية نفسها. لكن وجهة النظر هذه تبدلت عندما التقت أرندت بأيخمان، فلا يوحي الفراغ البيروقراطي بوجود مثل هذا الإغراء الشيطاني، ولكن فقط الاخلاص الوظيفي و”عدم القدرة على التفكير”.

وبدا أن الشر بالنسبة إلى حنا أرندت هو فعل إنساني، ولا يخرج عن العالم الإنساني. فليس فيه شيء من الشيطان، وليس له أيّ مظهر ميتافيزيقي، ولا يرتبط بأيٍّ من المبادئ الخالدة للعقل الإلهي. فالشرّ كله إنساني. توفيت أرندت في عام 1975، ربما لو عاشت لفترة أطول، كان بإمكانها توضيح الألغاز المحيطة بأفكار الشر، والتي لا تزال تثير النقاد حتى يومنا هذا.

إن مفهوم “تفاهة الشر” لا ينبغي أن يضللنا، فهو لا يقصد أن يجد لأيخمان ظروف التخفيف أو التقليل من الشر الذي ارتكبه. لم تشكك أرندت قط في تهمة إيخمان، ووصفته مرارًا وتكرارًا بأنه مجرم حرب، ووافقت على حكم الإعدام الذي أصدرته المحكمة الإسرائيلية.

على الرغم من أن دوافع أيخمان كانت، بالنسبة لها، غامضة وغير محددة، فإن أفعاله في الإبادة الجماعية لم تكن كذلك. كانت بالنسبة لها شخصية أيخمان هي التعبير الأكثر وضوحًا عن تفاهة الشر الذي جلبته الأنظمة التوتاليتارتية للعالم الإنساني. وشددت على أن “محاولة الفهم لا تعني المغفرة ولكن مسؤوليتي تحتم علي أن أفهم وهي مسؤولية كل شخص يجرؤ على الكتابة في هذا الموضوع”.

إعداد: فرح علي

المصادر: 1