هل الإلحاد مجرد دين آخر؟

لا.

باعتباري شخصا يكتب ويلقن الكثير حول العلمانية والانسانية، ويحاضر عن الإلحاد واللاأدرية، ويدير برنامج دراسات علمانية، هناك بعض الأسئلة/التعليقات التي تواجهني في مساري اليومي. على سبيل المثال: “كيف تستطيع أن تكون أخلاقيا إذا لم تكن تؤمن بالله؟” هو خط قياسي جيد من الأسئلة. ثم هناك السؤال الدائم: ” ماذا عن الروحانية؟ هل هي دينية ام علمانية؟” وسؤال كلاسيكي اخر كثيرا ما يطرح : “اليس الإلحاد هو فقط دين اخر؟”

و هذا هو السؤال الذي أود أن أتطرق له اليوم.

أولا، هذا السؤال عادة ما يطرح مثل إهانة خبيثة. إنه سؤال ازدرائي وتهكمي. وفي اسوء الاحوال، يقصد به وضع الملحدين في مكانهم ( انت تعتقد أن الدين أمر غبي؟ حسنا إلحادك ايضا ليس سوى دين أخر، وبالتالي انت ايضا غبي! هاه!)، أو لكشف الملحدين كمنافقين ( انتم تحكمون على الناس المتدينين ولكن انتم الملحدين لستم مختلفين جدا)، وفي احسن الاحوال، تستعمل كانتقاد جارح لي ( أراهن انك لم تفكر في هذا الأمر ايها العلماني المتذاكي).

لكن دعونا نتقدم ونفترض أن هذا السؤال يطرح فعلا بجدية وصدق. وفي هذه الحالة، فنعم، يستطيع المرء أن يرى بعض أوجه التشابه المدهشة بين الملحدين والمتدينين. فمثلا:

* تماما مثل المتدينين ( المتدينين الاصوليين على الأقل)، الملحدين ايضا مقتنعين أنهم على حق بخصوص الإله – أنه لا وجود له. إذا هناك صفة عقائدية للقناعة الإلحادية والتي تشبه كثيرا القناعة الدينية. أي أن كل من الملحدين والمتدينين الاصوليين على يقين أنهم يعرفون الحقيقة وان الآخر على خطأ، على الأقل بخصوص الإله.

* ومثل ما يقوم بعض المتدينين بالجهر عن تدينهم، بعض الملحدين ايضا يجهرون بإلحادهم؛ يرتدون قمصان تصرح بهذا الأمر، يضعون ملصقات على سياراتهم تؤكد أنهم لا يؤمنون بالله، حتى أن بعضهم يشتري لوحات إعلانية على طول الطرق السريعة لبث وجهة نظرهم الإلحادية.

* أخيرا، ورغم أن معظم الملحدين لا ينتمون إلى أي جماعة الحادية، علمانية أو إنسانية، إلا أن البعض منهم ينتمي لها. وهذه الجماعات -مثل الملحدين الأمريكيين، جمعية الانسانيين الامريكية، منظمة التحرر من الدين، والعديد من التجمعات الصغيرة ولقاءات الملحدين في أنحاء البلاد- تتشارك في العديد من الأمور مع المتدينين: اجتماع الناس من أجل احساس مشترك بالهوية، اجتماع الناس لمساندة رؤية بعضهم البعض للعالم، اجتماع الناس لتوضيح مبادئهم والعمل على نشرها أكثر في المجتمع.

إلا أن لا شيء مما سبق يجعل الإلحاد دينا فعلا. لمجرد أن أمرا يشبه أمرا اخر بطرق مختلفة، هذا لا يجعل الأمرين متشابهين.

لذا، اعتبر الجانب الاول الإلحاد المشار إليه أعلاه: القناعة القوية. نعم، صحيح أن الملحدين متأكدون من عدم وجود إله ويعتقدون أنهم محقون بخصوص هذا الأمر وأن الجميع على خطأ. ولكن قوة القناعة لا تجعل الشخص متدينا. معظم الناس مقتنعون تماما أن الأرض مستديرة، وهم متأكدين أن أي شخص يعتقد أن الأرض مسطحة هو ببساطة مخطئ. ولكن هؤلاء المؤمنين بكروية الارض لا يشكلون دين. العديد من الرياضيين مقتنعون بشدة بالصيغ الرياضية الأساسية. هذا لا يعني أنهم متدينين برياضياتهم. باختصار، في حين أن قوة القناعة هي علامة مميزة للتدين، والألحاد ايضا، لكنها أيضا علامة مميزة للعديد من وجهات النظر والمعتقدات والتوجهات العالمية، بالتالي لا تصنع دينا.

أما بالنسبة الملحدين الذين يصرحون بإلحادهم على قمصانهم، الملصقات وما إلى ذلك. مرة اخرى، هذا الفعل لا يجعل الإلحاد دينا. كما يعلن عشاق الرياضة حبهم لفرقهم المفضلة، ويؤكد الناس علنيا كل الامور – الانتماء السياسي، حب الوطن، الولاء الاقليمي، الحيوانات المفضلة، الخ. هذه التصريحات العلنية لا تصنع الدين.

و اخيرا، بالنسبة للتجمع مع الأفراد ذوي التفكير المشابه- فإن هذا الأمر ايضا لا يصنع الدين. فقط تذكر أن هناك مؤتمرات للطبخ النباتي جمعيات للأعمال السنوية، الخ.

إذا، ما الذي يجعل شيئا ما دينا؟

الجواب بسيط: ما فوق الطبيعة. الاديان هي الحركات الاجتماعية التي تحافظ على الإيمان بالخوارق، والديانات هي منظمات يشارك اعضاؤها في طقوس واحتفالات متعلقة أو مبنية على العقائد الخارقة للطبيعة. إن الإيمان بالالهة، بالملائكة، بالكارما، بالجنة، بالأرواح، بالله، بالحياة السابقة، بالزومبي، بالفيشنو، بالشيطان، بيسوع، وما إلى ذلك. – والتجمعات، الطقوس والأنشطة التي تنتج عن هذا الإيمان- هو الذي يصنع دينا.

الإلحاد يفتقد الإيمان بالخوارق. وبالتالي، ليس دينا.

و كما سبق أن قال العديد – وهذه ليست كلماتي، ولكن كلمات التقطتها على مر السنين من مختلف المصادر – وصف الإلحاد بالدين هو مثل وصف الإمتناع عن الجنس بالوضع الجنسي أو وصف الصلع بأنه لون شعر، أو وصف عدم جمع الطوابع البريدية هواية.

ترجمة: نوال ادامغار

المصادر: 1