ما هو الأفضل الزواج أم العزوبية، لماذا لا تزال أعزبًا؟

ها هو موسم الأعراس ينطلق بكامل قوّته. من منّا لم تمتلئ صفحاته على فيسبوك وانستغرام بصور حفلات زفاف أصدقائه أو أقاربه؟ بالطبع، فإنّ صور العائلات السعيدة بتزويج أبنائها، أفضل بألف مرّة من أخبار المآسي والحروب… لكن، يبدو أنّ من قرّروا الزواج لم يتخذوا الخيار الصائب على الصعيد النفسي والصحّي، بحسب بحث علميّ جديد.

تتفق معظم الدراسات الطبيّة والنفسية على أهميّة الزواج للحفاظ على الصحّة والسعادة والتوازن. لكنّ الطبيبة الأميركيّة بيلا دو باولو، قرّرت أن تبثت العكس، فراجعت أكثر من 800 دراسة أكاديمية حول العزوبيّة أجريت خلال السنوات الثلاثين الماضية.

وقالت دو باولو في مؤتمر “الجمعية الأميركيّة للطب النفسي” الذي ينعقد سنويّاً في مدينة دنفر، أنّها أرادت تحدّي الحكمة السائدة، وإثبات أنّ الزواج لا يساعدنا بالضرورة على العيش لفترة أطول، أو بصحّة أفضل، أو بسعادة. ولفتت إلى أنّها بعد مراجعة كلّ تلك الدراسات، تأكّدت أنّ العزوبيّة تساعد الأفراد على عيش حياة حقيقيّة، وأفضل، وذات معنى.

تحقيق الذات

ونقلت صحيفة “ذا اندبندت” عن دو باولو قولها إنّ المقارنة بين العازبين والمتزوّجين توضح كيف يختبر العازبون إحساسًا أعمق بتحقيق الذات، ويشعرون دومًا بالنموّ والتطوّر كأفراد.

ما تقوله الطبيبة الأميركية نبأ سعيد لكل العازبين والعازبات، خصوصاً من تعيّرهم بعض المجتمعات العربيّة بلقب “العوانس”. من الآن فصاعداً، ستجدون حجّة دامغة للردّ على الأهل والأقارب والأصدقاء الذين يسألنوكم لماذا لم تتزوّجوا بعد. إذ أنّ منافع العزوبيّة لا تقتصر على النموّ الذاتي فحسب؛ فالعازبون يهتمّون بإنجاز عملهم بطريقة أفضل من المتزوّجين، ويكونون أقلّ عرضة للمشاعر السلبيّة.

ترتفع نسب العزوبيّة في عدد كبير من الدول العربيّة، لأسباب كثيرة أبرزها اقتصاديّة. وباتت كلفة الزفاف والحياة المشتركة حملاً ثقيلاً، حتى حين يتعاون الرجل والمرأة معاً لتأمين المصاريف. ومع وجود معوقات ماليّة أمام شراء بيت، أو دفع مهر، أو تأمين الأقساط المدرسيّة، صار الزواج حلماً مستحيلاً بالنسبة لبعض الشباب العرب.

خيار شخصيّ

بعيداً عن المعوقات الاقتصادية والاجتماعية، ترى الطبيبة دو باولو أنّ العزوبية خيار شخصيّ، يلجأ إليه بعض الأشخاص بملىء إرادتهم، وليس لأنّهم لم يجدوا الشريك المناسب، أو لأنّ الحظ أو الظروف الماديّة لم تساعدهم على الارتباط. وتشير إلى أنّ العازبين يكونون على علاقة أفضل بأهلهم، واخوتهم، وأصدقائهم، وجيرانهم، وزملائهم في العمل. وتضيف أنّ الزواج يجعل الأشخاص “ضيّقي الأفق”. لذلك لا يجب على العازبين أن يفكّروا دوماً بآلام الوحدة وما قد تسبّب لهم مع التقدّم بالعمر، لأنّ الوحدة لها أيضاً فوائد كثيرة على الصعيد النفسي.

ترى دو باولو أنّه حان الوقت لتحرير فكرة العزوبيّة من الصفات السلبيّة المحيطة بها، ودفع من اختاروا عدم الارتباط إلى تقبّل حياتهم، واكتشاف المعنى الحقيقي فيها. برأيها، فإنّ بعض المتزوّجين يجدون أنفسهم مع مرور الوقت، في ذات الدوّامة التي اختبروها عازبين، وهم يصارعون المشاعر المتناقضة والوحدة وانعدام الحبّ. لذلك، من الأفضل بحسب دو باولو التوقّف عن الاستثمار في العلاقات العاطفية أو الارتباط الرومانسي، والتفكير بتقوية الروابط الأخرى مع من نحبّ أيضاً مثل أهلنا وأصدقائنا.

قد لا تقنع نظريّة دو باولو كثيرين، وقد يجد البعض أنّها تشجّع على نمط حياة قائم على الأنانيّة… لكنّها ستعزّي من دون شكّ من لم يعثروا بعد على نصفهم الآخر.

لماذا لا تزال أعزبًا؟

تحدّث الرجال العُزّاب بعد أن سُئلوا لماذا ما زالوا عازبين، فذكروا مجموعةً من الأسباب مثل سوء مهارات الغزل، وضعف الثقة بالنفس، وسوء المظهر، والخجل، والقوة الضعيفة، والخبرة السيّئة من العلاقات السابقة.

على الرُّغم من أنّ هذه الأسباب لا تبدو جديدةً، فإن إحدى الدراسات تلقي باللوم على عدم تطوّر المهارات الاجتماعية للذكور بالنسبة إلى هؤلاء الأفراد.

وقد بحثت الدراسة التي نُشرت في مجلة العلوم النفسيّة التطورية في ردودها على مشاركةٍ مجهولةٍ تسأل ببساطة: «يا رفاق، لمَ أنتم عازبون؟»

وجد المؤلّف مينيلوس أبوستولو، 13429 ردًّا، وصنف 6794 ردًّا في فئات.

وجد 43 موضوعًا يتصدّر قائمة الأسباب التي ذُكِرت، وتشمل هذه الأمور القلق وقلّة الوقت والاستمتاع بكونه أعزبًا والخوف من العلاقات وببساطة (الاستسلام).

بعد النظر إلى هذه الفئات، بنى أبوستولو فكرة أنّ المهارات الاجتماعية للرّجال لم تواكب التغيُّرات الاجتماعيّة.

يقول أبوستولو في بيانه: «الرجال المعاصرون في كثيرٍ من الأحيان يفتقرون إلى مهارات التغازل وهذا ما ورثوه عن أسلافهم في المرحلة ما قبل الصناعيّة، إذ كان الضغط على الآليات التي تنظّم جهدَ التزاوج والاختيار ضعيفًا.

هناك حاجةٌ إلى مثل هذه المهارات اليوم، لأنّه في المجتمعات ما بعد الصناعية، لا يكون اختيار الشريك خاضعًا للتنظيم أو الإجبار، ولكن على الناس أن يجدوا شركاءهم بدلًا من ذلك».

ويدَّعي أنّه بما أنّ الرجال لم يعد لديهم خيار الدخول في زواجٍ منظّم أو فرض طريقهم إلى علاقة، فإنّهم يكافحون للعثور على شريك.

هذا ما يُسمّى تنظيم التزاوج حديث العهد نسبيًّا في تاريخ نا.

وهي ليست منتشرةً في جميع المجتمعات البشريّة، ولا تنتشر بالضرورة داخل المجتمعات التي تبنَّتها.

علاوةً على ذلك، فإنّ هذه الحجّة التطوريّة تحرّر الرجال من أيِّ مسؤوليةٍ عن عزوبيتهم.

يقترح الادّعاء أنّ وضعهم الوحيد هو نتيجةٌ لموروثٍ مُرِّرَ لهم من أسلافهم غير الماهرين الذين لم يحتاجوا لِيكونوا جيّدين في المغازلة للحصول على زوجة. وليست النظرية مشكوكًا فيها فحسب، بل إنّها أيضًا ذات نتائج عكسية بالنسبة للرجل العازب.

يأمل أبوستولو: «في المستقبل سيخصّص الباحثون مزيدًا من الجهد لدراسة العزوبية وكيف يمكن للناس أن يصبحوا أكثرَ فاعليةً في البحث عن شريكاتهم».

لكن هذا لا يمكن فعله إذا لم تُؤخذ الأسباب التي ذكرها الرجال العازبون بأنفسهم بعين الاعتبار.

من الواضح أنّ التحليل يفتقر إلى نصف عدد السكان لأنّه يركز فقط على الرجال، لكن هذا ليس القيد الوحيد.

ليس لديه أي معلومات ديموغرافية حتّى أنّنا لا نعرف النطاق العمري للمستجيبين، مواقعهم، خلفياتهم الثقافية … إلخ.

إنّ الرسالة الرئيسيّة التي يمكن أن نستخلصها من الدراسة هي أنّ العديد من الرجال العازبين يعانون من عدم الأمان.

أفضل طريقة للتعامل مع هذا الأمر هو بناءُ مجتمعٍ حيث يمكن للرجال التعامل مع هذه المشاعر صراحةً.

وقد ادّعى أبوستولوا سابقًا أنّ السحاقيات غير موجودات إلّا لجذب الرجال وذلك بعد إجراء استبيان طرحه فقط على الأشخاص المغايرين يًا.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 12