كيف تربح شركات الأدوية المليارات على حساب المرضى؟

بين المصنع والموزع والمشتري: ما السعر العادل للأدوية؟

من الصعب للغاية الاتفاق على سعر أي دواء.

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تعد هيئة الخدمات الصحية الوطنية هي المشتري الرئيسي للأدوية، التي تحدد أسعارها من خلال نظام تطوعي بين شركات التصنيع والحكومة، في محاولة لتحقيق التوازن الصحيح بين خدمة المرضى وتحقيق ربح للحفاظ على هذه الصناعة. وحدد سقف للأرباح بهدف وقف ارتفاع الأسعار.

أما في الولايات المتحدة، فالمشترون هم شركات التأمين الخاصة وكذلك الحكومة من خلال نظام الرعاية الصحية والطبية في سوق يمكن أن تشهد ارتفاع أو انخفاض الأسعار وفقا لاحتياجات الناس والمنتجات التي يودون شراءها.

في السنوات الأخيرة، تباطأت الأبحاث في مجال الأدوية، وبات يتعين على الشركات أن تفكر مليا في المنتجات التي تود الاستثمار فيها.

تستحوذ منتجات مثل الفياجرا على الأموال، لكن أدوية الأمراض النادرة يمكن أن تكون أقل جاذبية، نظرا لأنها لا تستخدم من جانب عدد كبير من المرضى، وهو ما يجعل من الصعب أن تحقق أرباحا.

تقول شركة “تورينغ للأدوية” إن هذا هو السبب في أنها رفعت أسعار عقار “دارابريم” الذي يستخدم لعلاج “داء المقوسات”، وهو مرض نادر ولكنه مميت في بعض الأحيان.

الفائدة الأكبر؟

يقول مارتن شكريلي، المؤسس والرئيس التنفيذي المثير للجدل لشركة تورينغ والمدير السابق للصناديق الاستثمارية، إنه لا يفعل هذا بدافع الجشع، لكن لأسباب تجارية لها ما يبررها.

وأضاف أنه وضع نظما لمنح الدواء مجانا لغير القادرين، على أن تستخدم بعض الأرباح في مجال البحث وتطوير عقاقير جديدة وأفضل من الموجودة حاليا.

وقال شكريلي إنه يأمل أن يساعد هذا السوق شركات الأدوية الأخرى على الانضمام لهذا النظام الجديد لإيجاد علاجات جديدة للأمراض النادرة.

وبالنسبة لأولئك الذين يتعين عليهم شراء هذا العقار، سيصل ثمن الجرعة إلى 750 دولارا، مقارنة بـ 13.50 دولار قبل الزيادة.

ويعتقد أن تكلفة الإنتاج تصل لنحو دولار واحد، لكن شكريلي يقول إن هذا لا يشمل تكاليف أخرى مثل التوزيع.

في المملكة المتحدة، تبيع شركة “جي إس كيه” نفس الدواء حاليا بتكلفة 13 جنيه استرليني لكل 30 قرصا.

يقول منتقدون إن قرار السماح بمثل هذه القفزة الهائلة في الأسعار في الولايات المتحدة هو أمر شائن ويهدف لتحقيق أرباح على حساب المرضى وليس للابتكار.

وزادت المراقبة على أسعار الأدوية في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة.

وشهدت الأسابيع القليلة الماضية احتجاجا مماثلا على ارتفاع أسعار أحد أدوية مرض السل في الولايات المتحدة.

وعلى الفور قررت شركة “روديليس ثيرابيوتيكس” إعادة العقار إلى مالكه السابق، وهو منظمة غير ربحية تابعة لإحدى الجامعات.

وفي وول ستريت، تراجعت أسهم التكنولوجيا الحيوية بشكل حاد يوم الاثنين بعدما اتهمت المرشحة الديمقراطية المحتملة للرئاسة هيلاري كلينتون شركة “تورينغ للأدوية” بـ “التلاعب في الأسعار”، وتعهدت باتخاذ إجراءات ضد الشركات التي ترفع أسعار العقاقير.

وإذا كان الحديث بلغة المال، فإن الإضرار بأرباح شركات الأدوية سوف يبعث برسالة واضحة ومدوية، ولكن بأي ثمن؟ نأمل ألا يكون ذلك على حساب الابتكار في مجال الأدوية.
احصائيات

أسعار الأدوية باتت أكبر عائق أمام الغالبية من البشر في الحصول على العلاج اللازم، وذلك في عالم احتاج فيه نحو 83 مليون شخص في أكثر من 45 بلدًا إلى مساعدات غذائية طارئة خلال 2017، بزيادة وصلت 60% عن العدد المسجل في 2015، ومن المتوقع أيضًا – بحسب البنك الدولي – أن يحتاج 76 مليون شخص إلى مساعدات غذائية طارئة في 2018، فهل سيستطيع هؤلاء الحصول على أدوية من المتوقع ارتفاع أسعارها بنسب تصل إلى 6000% خلال 10 سنوات؟

فبالرغم من أن الأدوية سلعة غاية في الحساسية بشكل خاص؛ لأنها مرتبطة بالحياة أو الموت، إلا أننا نجد أن أسعار الأدوية قد ارتفعت على مدى العقد الماضي بأكثر من ست مرات، مقارنة بالسلع والخدمات الأخرى، وذلك بحسب إحصاءات أمريكية؛ إذ تستخدم الشركات الكبرى المحتكرة لصناعة الدواء براءات الاختراع وسيلة لتحديد أسعار باهظة للدواء؛ فيجد الفقراء أنفسهم مهددين بالموت، بسبب عجزهم عن تحمل أسعار هذه الأدوية.

كيف تستغل الشركات حاجة الناس للدواء؟

في أحدث حلقات الاستغلال التي تنتهجها أغلب شركات الأدوية في العالم، رفعت شركة «نكست سورس بيوتكنولوجي» ثمن بعقار «لوموستين» – دواء لسرطان الدماغ – بنسبة 1400%؛ ليصبح ثمن القرص الواحد منه أكثر من 700 دولار، بعدما كان يباع بـ50 دولارًا، وذلك بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» التي ذكرت مؤخرًا أن سعر القرص أصبح 768 دولارًا، والمثير للدهشة أن هذا العقار ليس عقارا جديدًا، بل يتجاوز عمره 40 عامًا، وهو الأمر الذي يكشف عن مدى جشع الشركة، برفعها سعر دواء شائع الاستخدام عند مرضى هذا النوع من السرطان.

وفي محاولة من جوزيف ديماريا، محامي الشركة لنفي تلك الممارسات الاستغلالية وغير التنافسية، أثبت دون قصد جشع الشركة؛ إذ قال: إن المادة الفاعلة في العقار «سر صناعي»، ارتفعت تكلفة صنعها بنسبة 30%، في حين أن الزيادة أضعاف هذه النسبة.

وقد يرى البعض أن زيادة في سعر عقار «لوموستين» ربما تكون معقولة، إذا ما قورنت بسعر العلاج الجيني الجديد للعمى «لوكستورنا»، الذي كشفت عنه شركة «سبارك ثيرابيوتيكس» الأمريكية مؤخرًا؛ فبحسب صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، فإن تكلفة العلاج تبلغ نحو 850 ألف دولار؛ ليكون بذلك أغلى الأدوية على الإطلاق، ويقول الرئيس التنفيذي للشركة، جيف ماراتزو: «إن الشركة ستحصل على 425 ألف دولار مقابل كل عين تٰعالج باستخدام العلاج الجديد».

وبعيدًا عما تقوله الشركة من إنها ستشارك في تحمل مخاطر فشل العلاج من خلال منح جزء من سعر الدواء لشركات التأمين الصحي، إلا أن السعر – بشكل عام – يعد استغلالًا صارخًا لحاجة الناس للعلاج، خاصة وأن نسبة من يمكنهم الحصول عليه محدودة للغاية، وذلك في ظل عدم إمكانية بيع العقار بالتقسيط.

مثال آخر يوضح مدى جشع هذه الشركات واستغلالها السيئ لبراءات الاختراع المفتوحة: هذه المرة من شركة «مايلان» التي تستخدم أشهر منتجاتها «إيبيبن»، لجني أرباح قياسية؛ إذ كان سعر علبة الحقن 94 دولارًا، ثم قررت الشركة رفع السعر نحو 17 ضعفًا؛ ليصبح 609 دولار لكل حقنتين فقط، وذلك حسبما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال».

وتكشف الصحيفة عن أن طرق التسويق التي تستخدمها الشركة ومجموعات الضغط ودفاعها عن حصتها من السوق، جعلت استخدام حقن «إيبيبن» شيئًا أساسيًا في كثير من المدارس والمطارات والملاعب الرياضية، فيما استخدمت الشركة نفوذها للتأثير في القوانين التشريعية لعدة ولايات أمريكية؛ إذ كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أن القوانين في معظم الولايات بأمريكا تجبر المدارس على أن توفّر «إيبيبن» لطلابها، بالإضافة إلى كثير من الفنادق والمطاعم وشركات الطيران وغيرها من الأماكن.

إيرادات أكبر شركات الأدوية في العالم

لن نكون مبالغين إذا قلنا إن قطاع الرعاية الصحية والأدوية تنافس بقوة تجارة السلاح والإتجار بالبشر والمخدرات؛ وذلك بسبب الأرباح الضخمة التي تحققها شركات هذا القطاع الذي يعد من أكثر القطاعات الاستثمارية أمانًا ومقاومة للركود والتقلبات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال: ترفع شركة «جونسون آند جونسون» الأمريكية نسب توزيعات الأرباح السنوية طوال 50 عامًا، بفضل رفع الأسعار بصورة مستمرة.

بينما تبرر هذه الشركات زيادة الأسعار بأنها في حاجة إلى جني أرباح من منتجاتها كي تنفق على الأبحاث والتطوير. ووفقًا لقائمة أعدها موقع «إنسايدر مانكي» للشركات الأكثر إنتاجًا للأدوية في العالم، جاء ترتيب أكبر خمس شركات كالتالي:

  1. ماكيسن: شركة أمريكية بلغت إيراداتها نحو 189.1 مليار دولار، وسجلت صافي أرباح نحو ملياري دولار، وهي واحدة من كبار موزعي الأدوية في أمريكا الشمالية.
  2. أميريسورس بيرجن كورب: شركة أمريكية أيضًا، بلغت إيراداتها نحو 139.1 مليار دولار في عام 2015، وتستأثر بنحو خمس إجمالي الأدوية الموزعة في الولايات المتحدة الأمريكية.
  3. كاردينال هيلث: وهي الأخرى شركة أمريكية بلغت إيراداتها نحو 112.4 مليار دولار، واحتلت الشركة ترتيبًا في قائمة مجلة «فورشن» بأكبر 26 شركة في العالم، ولها أنشطة في 60 دولة.
  4. روش هولدنج: وهي شركة سويسرية، بلغت إيراداتها نحو 50 مليار دولار، وهي أكبر شركة في العالم في قطاع التقنيات الحيوية، وقد تخصصت في علاجات الأورام والجهاز المناعي والأمراض المعدية والعيون والجهاز العصبي.
  5. نوفارتس إيه.جي: وهي شركة سويسرية يقع مقرها بمدينة بازل، وبلغت إيراداتها نحو 50 مليار دولار في عام 2015، وهي أكبر شركة أدوية في العالم من حيث الأرباح.

ما الذي يجب أن نُنفق عليه؟

كان هذا السؤال هو ما شغل بال كل من جوناثان سبيكتور وروزماري هاريسون من مؤسسة نوفارتس للبحث الحيوي الطبي ومارك فيشمان من جامعة هارفارد خلال السنوات القليلة السابقة، حيث بحث الفريق في المشكلة الأساسية التي يصاحبها جدل واسع النطاق في الوسط البحثي حاليا في مجال تطوير الأدوية الجديدة، وهي تتلخص ببساطة في السؤال القائل: “ما الذي يجب أن نُنفق عليه؟”، هل تنفق الشركات والدول نقودها في البحوث الأساسية (Basic Research) أم البحوث التطبيقية (Applied Research)؟

لفهم السؤال الأخير دعنا نتعرف إلى الفارق الجوهري بين هذين النوعين من البحث العلمي، فالبحوث الأساسية لا تهدف إلى اكتشاف أدوية بعينها، ولكنها تهدف بالأساس إلى توسيع نطاق معارفنا حول موضوع ما يقوم الفريق البحثي بدراسته، فمثلا يعد البحث عن تأثير الكافيين الموجود بالقهوة على الدماغ البشري، أو آخر عن العلاقة بين جودة التعليم والفضول في الأطفال، بحثا أساسيا لا يهدف إلى تحسين أداء الدماغ أو إلى علاج مشكلة بعينها في النظم التعليمية أو لتطويرها، وإنما فقط يهدف إلى زيادة فهمنا للمبادئ الأساسية للطبيعة عبر التساؤل بالصيغ الأساسية “لماذا” و”كيف؟”، بالتالي ليس المقصود من هذا النوع من الأبحاث أن تحقق فوائد تجارية فورية.

البحوث الأساسية إذن تنطلق مدفوعة فقط بالفضول البشري تجاه التعرف على الأشياء، من جهة أخرى فإن البحوث التطبيقية تنطلق فقط مدفوعة بأغراض تطبيقية، لإخراج منتج محدد أو آلية عمل أو تكنولوجيا جديدة لحل مشكلة بعينها، فمثلا يمكن لنا دراسة الكيفية التي يستذكر بها عدد ضخم من الطلاب دروسهم ومقارنتها بالنتائج الدراسية في آخر العام مع تثبيت عدد من العوامل الأخرى أو إخضاعهم لعدد من الاستقصاءات لاكتشاف أي الطرق أفضل للاستذكار، هذا هو نوع من البحث له تطبيق على الأرض وهو رفع كفاءة الاستذكار لدى الطلبة.

لكن البحوث الأساسية بطبيعتها أكثر تكلفة لذلك فإن نحو 80% منها تُقام فقط في الجامعات، بينما تُقام البحوث التطبيقية بالأساس في شركات الأدوية أو المراكز المختصة والتي تهدف إلى نتائج تطبيقية واضحة، كذلك فإن البحوث الأساسية لا تعطي في كل الأحوال نتائج يمكن تطبيقها على الأرض وتحقيق فائدة مباشرة للبشر، خاصة في المجالات الطبية والتي تكلف بحوثها الكثير من الوقت والمال في حين من المفترض أن يكون البحث عن دواء بعينه أكثر سهولة وأقرب إلى التطبيق، أليس كذلك؟

المعرفة من أجل المعرفة

هنا يتدخل الفريق البحثي الثلاثي من هارفارد ومركز أبحاث نوفارتس، الذي نشر ورقته في المجلة الشهيرة “Science” قبل عدة أسابيع، ليحاول استقصاء الأسباب التي أدت بنا إلى اكتشاف مجموعة مكونة من 28 دواء رئيسيا، تلك التي ظهرت في الفترة بين 1985 و2009، وتفرعت منها مجموعات أخرى من الأدوية، عبر دراسة تاريخ تلك الأدوية سواء بالبحث خلف المراجع التي تشمل آليات ابتكارها، أو الأوراق البحثية التي تضمنت خط سير تطورها، أو بإقامة حوار مع مبتكريها أو بعض الخبراء بتلك الأدوية، لسؤالهم عن الآليات البحثية التي اتُخذت للوصول إلى تلك الأدوية، وعن ارتباطها بآليات أساسية أو تطبيقية.

والهدف هنا هو كشف إن كانت تلك الأدوية الثمانية والعشرون قد ظهرت بسبب أبحاث تطبيقية تتعمد البحث عنها من أجل حل مشكلة بعينها أم أنها ظهرت أثرا لأبحاث أساسية لم تكن تهدف إلى الحصول على أدوية لعلاج تلك الأمراض، ولكنها -بالأساس- كانت محاولة لاستكشاف بيولوجيا وكيمياء الجسم البشري، خطوط سير هرموناته ونواقله العصبية ومستقبلاتها ودورها في الشبكة البيوكيميائية الضخمة التي نسميها “جسم الإنسان”.

هنا جاءت النتائج لتقول إن 80% من تلك الأدوية قد كانت نتيجة غير مقصودة لأبحاث أساسية تمت قبلها بفترة نحو 30 عاما كاملة في المتوسط، فمثلا مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين، وهي أدوية لعلاج مرض الضغط، لم تكن لتُكتشف من دون اكتشافات سابقة لأبحاث أساسية في عام 1939 (دور الأنجيوتنسين في رفع ضغط الدم) و1956 (دور الإنزيم المحول للأنجيوتنسين)، ثم وصول الأدوية المعالجة للضغط والتي تعتمد على تلك الآليات في السبعينيات، ما يعني أن الأبحاث الأولى لم تكن تهدف بالأساس إلى علاج مشكلات بعينها (ضغط الدم) ولكن للتعرف على آليات عمل الجسم البشري.

بالتالي فإن تلك الدراسة الجديدة تؤكد على رأي سابق يقول إن قرارا بتوجيه تمويلات الحكومات، أو الشركات على حد سواء، لدعم أبحاث تطبيقية تحقق نتائج سريعة وإن بدا للوهلة الأولى أكثر كفاءة من وجهة نظر تجارية لكنه في المقابل يتسبب في كارثة ربما نشهد نتائجها حاليا بانخفاض معدلات الابتكار في الأدوية الجديدة، والصواب -كما يبدو وحسب رأي الدراسة- هو بناء سياسات جديدة تدفع بالبحث العلمي في هذا المجال نحو الأبحاث الأساسية، تلك التي تقول إن البحث عن المعرفة يجب أن يكون من أجل المعرفة فقط.

رحلة طويلة من أجل احتمال

من جهة أخرى فإن ابتكار أدوية جديدة كنطاق بحثي يواجه في الفترة الحالية من تاريخه العديد من التحديات التي تتعلق بمراحل البحث عن دواء جديد، فمثلا تبدأ الأبحاث على الأدوية بأكثر من 10 آلاف مادة مرشحة لتصبح الدواء الجديد، يقوم فريق عمل مختص على مدى 7 سنوات على الأكثر بدراسة المرض وأثر كل من تلك المواد عليه، ويقوم الفريق باختصار هذا العدد إلى 250 مادة فقط يمكن أن تنتقل إلى المرحلة الثانية وتخضع للأبحاث على الخلايا أو الحيوانات، بعد ذلك يختصر هذا العدد إلى نحو 5 أدوية ممكنة فقط.

تلك الأدوية المحتملة تخضع للتجارب السريرية على عدة مراحل، يزيد عدد المتطوعين في كل مرحلة عن الأخرى، بحيث نقلص الخطر قدر الإمكان، بعد ذلك، وهنا تكون قد مرت 14 سنة تقريبا من البحث العلمي، نحصل على دواء واحد فقط، ثم تجمع الشركة كل بيانات المراحل السابقة وتعرضها على المنظمات المختصة بإعطاء التصاريح الجديدة (إدارة الغذاء والدواء FDA) والتي بدورها تُخضع تلك البيانات للفحص والدراسة على مدى عامين، وليست كل الأدوية تصل إلى مرحلة التصريح، بل يُقدّر أن هناك 1 من كل 5000 دواء يصل إلى تلك المرحلة.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك الحد فقط، فبعد أن استمر النشاط البحثي المكلف على مدى 16 سنة تقريبا تأخذ الشركات الكثير من الوقت لوضع الخطط الترويجية، ثم يكون طرح الدواء في السوق على مراحل بحيث يتم دراسة أثر الدواء على البشر بعد إطلاقه في السوق، لهذا السبب تتخطى تكلفة وصول الدواء الواحد إلى نقطة التصريح الدولي حاجز الـ 2.5 مليون دولار، ما يضع بدوره الكثير من الخطورة عن احتمالات أن يحدث شيء ما ليوقف عملية البحث خلال تلك المدد الطويلة.

لهذا السبب تتوجه شركات الأدوية الكبرى إلى استثمار الجهد العلمي والمادي الخاص بها في سبيل تطوير أدوية تتعلق بأمراض مزمنة كالضغط والسكري، تاركة جانبا المضادات الحيوية، حيث إن تلك الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة التي يستمر المريض في تعاطيها طوال عمره تقريبا يعني تأمين دخل متصاعد من خلال انتشارها، كما أن تلك الأمراض المزمنة لا تطور أي مقاومة تضطر الشركة بين الحين والآخر للمخاطرة بالاستثمار في تطويرها من جديد، أضف إلى ذلك أن المضادات الحيوية الجديدة لا تدخل غالبا في الاستخدام مباشرة، بل توضع جانبا كملجأ أخير حينما تضرب البكتيريا المقاومة المرضى.

إن تلك العمليات الطويلة والمعقدة والخطرة ماديا لاكتشاف دواء واحد تحد بدورها من مغامرات شركات الأدوية أو المراكز البحثية في الإنفاق على المزيد من البحث الأساسي أولا، وتجعل من الخطط البحثية التطبيقية هدفا أكثر سهولة، لكن رغم ذلك فإن الدلائل تقول إن البحث العلمي في المجال الطبي قد أعطى أفضل نتائجه حينما فتحنا للباحثين الباب لاتباع فضولهم والبحث عن المعرفة الأساسية وتكوين نظريات عنها قد تمكننا فيما بعد من ابتكار أدوية جديدة بمعدلات أكبر.

العلم من أجل العلم، أو دعنا نقول “الفضول”، إذن، كنشاط بحثي، ورغم أنه يبدو للوهلة الأولى شيئا فانتازيا يوتوبي النزعة، فإنه يُثبت، عبر تاريخ طويل لتطوير الأدوية الجديدة، أنه كان الأداة الأكثر فاعلية لتخطي المشكلة التي تواجه البشر حاليا في حربهم ضد المرض، لكن الأمر، كما يبدو، يحتاج أن نتكاتف، كبشر، كوحدة واحدة لمواجهة هذه الأخطار المحدقة بنا، بالتالي يجب أن تتدخل الدول والحكومات بقدر أكبر في دعم البحث العلمي الأساسي، وتسمح بتشارك المعرفة فيما بينها دون أي أغراض سياسية، في النهاية فإن مشروعنا، رغم كل هذا الخلاف الدائر، واحد، وهو بقاؤنا.

إعداد: جمال علي

المصادر: 123