هل نحن دمى كيميائية حيوية لأن خلايانا العصبية تعمل بصورة أسرع من قدرتنا على التفكير؟

حرية الإرادة هي القدرة على الاختيار بين تسلسلات مختلفة من الأحداث بحرية. ترتبط حرية الإرادة بقوة مع مفاهيم المسؤولية والمدح والجُرم والذنب، والأحكام الأخرى التي تنطبق فقط على الأفعال المختارة بحرية. ترتبط حرية الإرادة أيضا بمفاهيم النصيحة والإقناع والقصد والمنع. تقليديا، كانت الأعمال المقصودة بحرية هي فقط ما يلام المرء عليها. هناك العديد من الاعتبارات حول التهديدات لإمكانية حرية الإرادة، والتي تختلف باختلاف طريقة تصورها، وهي قضية مثيرة لبعض الجدل.

يعرّف البعض حرية الإرادة على أنها القدرة على الاختيار دون تحديد النتائج من خلال أحداث ماضية. تقترح الحتمية أنه لا يوجد سوى مسار واحد ممكن للأحداث، والذي يتناقض مع وجود حرية الإرادة. تواجدت هذه المشكلة في فلسفة اليونان القديمة ولا تزال موضوعا هاما في الجدالات الفلسفية.

هذا الرأي الذي يرى حرية الإرادة غير متوافقة مع الحتمية يُسمى اللاتوافقية ويشمل كلا من فلسفة الحرية –الادعاء القائل بأن الحتمية خاطئة وبالتالي فإن حرية الإرادة ممكنة على الأقل- والحتمية المجردة –الادعاء بأن الحتمية صحيحة وبالتالي فإن حرية الإرادة غير ممكنة-. يشمل الرأي أيضا اللا توافقية المجردة والتي لا تحمل الحتمية فقط بل أيضا نفيها لتكون غير متوافقة مع حرية الإرادة وبالتالي فإن حرية الإرادة تصبح مستحيلة أيا كانت الحالة بخصوص الحتمية.

في الجهة المقابلة، يعتقد التوافقيون أن حرية الإرادة متوافقة مع الحتمية. يرى بعض التوافقيين حتى أن الحتمية ضرورية من أجل حرية الإرادة، قائلين أن الاختيار يتضمن مرجعا ما لمسار الأحداث عن المسارات الأخرى، مما يتطلب شعورا عن نتائج الأحداث. لذلك يعتبر التوافقيون أن الجدال بين فلاسفة الحرية والحتميين عن حرية الإرادة في مقابل الحتمية هو مأزق مفتعل يقدم بعض التوافقيين الآخرين تعريفات مختلفة تماما لحرية الإرادة، وبالتالي يجدون انواعا مختلفة من العقبات في وجه القضية.

اعتبر التوافقيون الكلاسيكيون أن حرية الإرادة ما هي إلا حرية الفعل، حيث رأوا أن المرء له إرادة حرة إذا أراد أن يفعل شيئا مخالفا وفعله دون عراقيل فيزيائية. بدلا من ذلك، يعرف التوافقيون المعاصرون حرية الإرادة بأنها القدرة النفسية في توجيه تصرفات الفرد في اتجاه يحكمه المنطق، كما أن هناك إدراكات أخرى لحرية الإرادة، كلها تتشارك في عدم اعتبارها الحتمية تهديدا لإمكانية حرية الإرادة.

سؤال مهم في علم الأعصاب، والفلسفة، وفي النقاش العام، بخصوص ما إذا كان افتراض أننا نمتلك إرادة حرة خطأً بالأساس. لأنه إذا لم توجد لدينا إرادة حرة، فإن هذا يعني أن كثيرًا من القواعد القانونية والأخلاقية التي تشكل حجر الأساس لمؤسساتنا الاجتماعية سوف تصبح عرضة للشك.

  • أثيرت هذه الشكوك بسبب بعض التجارب المتطورة التي أجريت مؤخرًا وأوضحت أن المخ يشرع في القيام ببعض الأفعال، على الأقل، قبل أن نعي أننا اتخذنا قرارًا ما. وإذا كان هذا واقع الحال، فما هو دور الإرادة الحرة إذًا، إن كان لها ثمة دور.
  • قد يتوفر للناس قدر بسيط من الإرادة الحرة، يقل عما يظنون، لكن ذلك لا يعني أنهم مسيرون بالكامل. إذ أوضحت مجموعة من التجارب الحديثة التي أجراها الباحثون في علم النفس الاجتماعي، أن التفكير الواعي والنية يؤثران بدرجة كبيرة في أفعالنا.

ذات ليلة، في خريف العام الماضي، وأنا أفكر في الكيفية التي سوف أفتتح بها هذه المقالة. تبادر إلى ذهني عدة طرق يمكن أن أكتب بها الجملة الأولى وتلك التي تليها. فكرت بعد ذلك في الطريقة التي سوف أربط بها هاتين الجملتين مع بقية الفقرة ثم مع باقي المقال. تقافزت إلى ذهني مزايا وعيوب كل من هذه الخيارات، لدرجة أن جفاني النوم.

وبينما كانت هذه العمليات تحدث، كانت الخلايا العصبية تنشط في دماغي. وفي الحقيقة، يفسر ذلك النشاط العصبي سبب تخيلي لتلك الخيارات، كما يفسر السبب وراء كتابتي هذه الكلمات. وذات النشاط العصبي، يؤكد أيضًا السبب وراء امتلاكي لإرادة حرة.

وبصورة متزايدة، يخبرني علماء الأعصاب، وعلماء النفس، والخبراء، أنني مخطئ في تصوري هذا. يزعم هؤلاء جميعًا، مستشهدين بعدد من دراسات علم الأعصاب المشهورة، أن عمليات ما في عقلي الباطن، دفعتني لاختيار الكلمات التي استخدمتها. وتقضي حجتهم بأن التفكر الواعي واتخاذ القرار يحدثان فقط بعد أن تقرر الآليات العصبية -التي لا يدركها عقلنا الواعي- ما ينبغي أن نختاره. ويخلصون بذلك الى أنه، وبسبب أن “عقولنا تجبرنا على القيام بفعل ما”، وتختار لنا خيارًا دون آخر، فإن الإرادة الحرة أصبحت مجرد وهم.

والتجربة التي عادة ما يُشار إليها لتدعيم وجهة النظر التي تقول بأن أدمغتنا تسير مقاليد الأمور من وراء الكواليس، هي تلك التي قام بها العالم الراحل بنيامين ليبت في ثمانينيات القرن الماضي في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو. في هذه التجربة، أُعطيت التعليمات للمشاركين الذين وُصّلت المجسّات الكهربائية برؤوسهم، بأن يحركوا معاصمهم وقتما يريدون.

سجلت هذه المجسات التذبذبات في النشاط الكهربائي الذي يطلق عليه اسم جهد الاستعداد والذي حدث قبل نصف ثانية من تحريك المشاركين لمعاصمهم. غير أن هؤلاء الناس لم يكونوا على دراية بنيتهم تحريك معاصمهم هذه إلا قبل ربع ثانية من الحركة الفعلية، الأمر الذي قاد لخلاصة مؤداها أن المخ قرر ما ينبغي فعله قبل أن يعي هؤلاء المشاركون ذلك. وجوهر هذه الخلاصة، هو أن عمليات العقل الباطن تتولى قيادة أفعالنا.

كما تقترح الدراسات الأحدث، التي أُجريت باستخدام أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي، أن جذور اتخاذ قراراتنا في العقل الباطن قد تمتد لفترة زمنية أطول. ففي البحث الذي نُشر عام 2013، قام عالم الأعصاب جون-ديلان هاينز وزملاؤه العاملين في مركز بيرنستين لعلم الأعصاب في برلين، بجعل المتطوعين يقررون ما إذا كانوا سوف يقومون بعمليات طرح أو إضافة رقمين في أثناء وجودهم داخل جهاز مسح الرنين المغناطيسي.

وجد هؤلاء الباحثون أنماط نشاط عصبي تصلح للتنبؤ بما إذا كان المتطوع سوف يختار أن يجمع أو يطرح قبل أربع ثوانٍ من وعيه باتخاذه القرار المحدد بوعي -وهذه فترة انتظار زمنية طويلة للغاية.

في الحقيقة قادت هاتين الدراستين -والأبحاث الأخرى الشبيهة بهما- البعض إلى إطلاق تعميمات شاملة، مؤداها أن الإرادة الحرة قد ماتت. أو كما ذكر هاينز لمجلة نيو ساينتيست: “قراراتنا تتحدد بصورة مسبقة في اللاوعي قبل زمن طويل من دخولها مرحلة الوعي”. قبل أن يضيف قائلًا: “يبدو أن المخ يتخذ القرار قبل أن يقوم الإنسان بفعل ذلك”.

وجد هاينز مَن يوافقونه الرأي، مثل عالم الأحياء التطورية جيري كوين الذي كتب قائلًا: “واقع الأمر أنه وبالنسبة لكل اختياراتنا، لا يوجد منها ما نتج عن قرارٍ واعٍ من جانبنا. ليس هناك حرية اختيار، ولا توجد إرادة حرة”. كذلك خلص عالم الأعصاب سام هاريس من دراسته لهذه الأبحاث إلى أننا “دمى كيميائية حيوية”: وقال: “إننا إذا ما استطعنا أن نكشف عن الاختيارات الواعية للناس بواسطة جهاز مسح دماغي قبل ثوانٍ من وعيهم بهذه الاختيارات؛ فإن هذا الأمر يمثل تحديًا مباشرًا لكونهم أشخاصًا واعين لما بداخلهم”.

لكن، في حقيقة الأمر، هل توضح الأبحاث أن كل أنشطة التدبر والتفكر الواعي والتخطيط ما هي إلا نتائج عرضية للنشاط الدماغي في اللاوعي، ولا تأثير لها على ما سنفعله لاحقًا؟ لا، الأمر ليس كذلك على الإطلاق. ولأسباب عديدة، نجادل أنا وآخرون -مثل ألفريد آر ميلي، الفيلسوف الذي يعمل في جامعة ولاية فلوريدا- بأن هؤلاء الذين يدعون أن الإرادة الحرة ما هي إلا وهم، مخطئون.

لنتمهل قليلًا

أُطلِقَ على هؤلاء الذين يدعون أن الإرادة الحرة مجرد وهم اسم “المنكرين لوجود الإرادة الحرة”، وهناك عدد كبير من الأسباب التي تدعونا إلى توخي الحذر والتشكيك في حجج هؤلاء. أولًا، يفتقر علم الأعصاب في الوقت الحالي إلى التطور التقني الكافي لتحديد ما إذا كان النشاط العصبي المرتبط بتخيلاتنا وبتقييمنا للخيارات المستقبلية يستطيع التأثير على الاختيار الذي سوف نستقر عليه بعد دقائق، أو ساعات أو أيام قادمة. بدلًا من ذلك، تفشل الأبحاث التي يناقشها هؤلاء في تحديد حد فاصل واضح بين الوعي واللاوعي.

مثلًا تجربة ليبت. بدأت هذه التجربة بمشاركين يحضرون بصورة واعية للقيام بعدد من الأفعال المكررة وغير المخطط لها. وحينما بدأت التجربة، حرك هؤلاء معاصمهم بتلقائية وقت أن أحبوا فعل ذلك. والنشاط العصبي الذي تضمنته عملية التخطيط الواعي، ربما يكون قد أثر على الفعل غير الواعي بالحركات في وقت سابق، الأمر الذي يكشف عن حدوث تفاعل بين النشاط العصبي الواعي وغير الواعي.

وبصورة مماثلة، تفشل تجربة هاينز -التي انتقى فيها المشاركون العملية الحسابية التي يودون إجراءها طرحًا أو جمعًا، بصورة عشوائية عبر عدة محاولات- في توفير دليل مقنع ينفي وجود الإرادة الحرة. إذ إن النشاط العصبي الباكر الذي حدث قبل أربع ثوانٍ من وعي المتشاركين بما سوف يفعلونه قد يكون مؤشرًا على وجود تحيز في اللاوعي يفضل خيارًا على آخر.

كما أن هذا النشاط العصبي الباكر قد تنبأ بالاختيار المستقبلي بدقة تزيد نسبتها على 10% من دقة التنبؤات التي يمكن التوصل إليها في لعبة حظ. والنشاط العصبي، عمومًا، لا يحسم أمر اختيارنا قبل أربع ثوانٍ من قيامنا بفعل ما، لأننا نستطيع أن نتفاعل مع التغيرات حولنا في زمن يقل عن ذلك. ولو لم يكن هذا هو الحال، لكنا متنا جميعنا في حوادث سيارات! غير أن النشاط العصبي غير الواعي، يهيئنا للقيام بفعلٍ ما بتزويدنا بمؤشرات تجعلنا نراقب أفعالنا بصورة واعية، بحيث نعدل من سلوكنا في أثناء الفعل، إذا اقتضت الضرورة.

ويشير المنكرون لوجود الإرادة الحرة إلى أبحاث علم النفس التي توضح أننا نتحكم في أفعالنا بدرجة وعي تقل عما نتخيله. صحيح أننا نتأثر -دون أن نلاحظ- ببعض التفاصيل الدقيقة الموجودة في البيئة، كما نتأثر بتحيُّزاتنا العاطفية والذهنية. وما لم نفهم كل هذه العوامل، فإننا لا نملك وسيلة لمواجهتها. وهذا أحد الأسباب التي تدفعني إلى الاعتقاد بأننا نمتلك قدرًا أقل من الإرادة الحرة عما يحسبه بعض الناس. لكن هناك فرقًا شاسعًا ما بين وجود قدر قليل من الإرادة الحرة وانتفاء وجودها بالمرة.

تعاملت أبحاث ليبت وهاينز مع الاختيارات التي يقوم بها الناس من دون وعي في أثناء أداء الفعل. كلنا نقوم بهذه التصرفات المتكررة وبالسلوك الذي تعودنا عليه، كما نفعل في أوقات ما أمورًا معقدة دون أن نفكر كثيرًا، لأننا تعودنا عليها وتعلمناها. أنت مثلًا تولج المفتاح في القفل. ولاعب رياضة البيسيول يقفز بسرعة لكي يلتقط الكرة قبل أن تمس الأرض. كما ينهمك عازف البيانو في عزف سوناتا القمر لبيتهوفن.

لكن تلقائية إدارة المفتاح في القفل، والوثب باتجاه الكرة، وضغط مفاتيح البيانو السوداء والبيضاء، تتطلب جميعها نوعًا محددًا من العمليات العقلية. بينما الأمر الذي كنت أفعله في تلك الليلة المؤرقة -التدبر الواعي للخيارات المتاحة- هو نشاط يختلف تمامًا عن العمليات الروتينية التي تم التدرب عليها. وهناك مجموعة لا بأس بها من الأبحاث التي تؤكد أن التدبر والتفكر الواعي لأفكارنا يُحدث أثرًا كبيرًا فيما نفعله.

وتشير هذه الأبحاث، إلى أن النوايا التي نكوِّنها لعمل مهمة محددة في ظروف معينة -أي ما يطلق عليه علماء النفس “نوايا التنفيذ”- تزيد من احتمالية قيامنا بالسلوك الذي نخطط له. إذ كشفت دراسة أجراها عالم النفس بيتر جولويتزر وزملاؤه في جامعة نيويورك، أن الأشخاص الذين يتبعون حمية غذائية ما ويعقدون العزم والنية على تجاهل التفكير في أصناف الطعام الشهية حين تخطر في بالهم، يأكلون قدرًا أقل من هذه الأطعمة المغرية عند مقارنتهم بالأشخاص الذين يتبعون نفس الحمية ويكتفون بتحديد أهداف معينة لفقدان الوزن.

كذلك أوضح عالِم النفس روي إف بوميستر وزملاؤه في جامعة ولاية فلوريدا، أن التفكير الواعي يحسن من أداء الوظائف المنطقية واللغوية، كما يساعد أيضًا على التعلم من أخطاء الماضي وتجاوُز السلوك المندفع. إضافة الى ما سبق، وجد وولتر مايكل، عالِم النفس الذي يعمل في جامعة كولومبيا، أن مقدرتنا على إبعاد أنفسنا عن مواقف الإغراء، هي أمر ضروري للتحكم في النفس.

كلنا نؤدي كل يوم أفعالًا خططنا لها بصورة واعية. ومن الممكن أن يكون النشاط العصبي الذي يرتبط بهذا التخطيط، غير ذي أثر على ما نفعله، أو قد يكون هذا النشاط هو مجرد قصص تأتي بعد حدوث الفعل لكي تفسر لنا وللآخرين ما فعلناه. لكن لو كان الأمر كذلك، لما وجدنا له أي تفسير تطوري مقنع. فدماغنا يمثل 2% من وزن الجسم البشري، لكنه يستهلك 20% من طاقتنه. وما دام الأمر كذلك، فإن هذا يعني أن ثمة قوة متطورة قوية تعمل ضد العمليات العصبية، وتستطيع أن تسمح بحدوث التفكير المعقد، دون أن يكون له أي تأثير على سلوكنا. وعلى هذا، دوائر المخ المسؤولة عن تخيلي للطريقة المثلى لكتابة هذا المقال، هي على الأرجح السبب في كتابتي إياه بهذا الشكل.

هل توجد إرادة حرة في الدماغ؟

يقترح المنكرون لوجود الإرادة الحرة، أن العمليات الدماغية الداخلية هذه، لا يمكن النظر إليها على أنها إرادة حرة. وعادة ما يقول هؤلاء إن الأشخاص الذين يعتقدون وجود إرادة حرة لا بد أن يكونوا من “الثنائيين”. وهم أولئك الذين هم على اقتناع بأن العقل يوجد بطريقة ما ككيان غير فيزيائي، منفصل عن المخ. عبر عن هذه الفكرة عالم الأعصاب ريد مونتاج عام 2008 حين قال: “إن الإرادة الحرة هي الفكرة التي تقول بأننا نقوم بالاختيار ونمتلك أفكارًا بشكل بعيد كل البعد عما يشابه أي عملية فيزيائية”. كذلك زعم كوين أن “الإرادة الحرة الحقة… تتطلب أن نخطو إلى خارج بنية المخ، وأن نعدل من كيفية عمله”.

صحيح أن بعض الناس يفكرون في الإرادة الحرة بهذه الطريقة. لكن لا يوجد سبب جيد يدعو للاقتناع بهذا الرأي. ومعظم النظريات الفلسفية تطور وجهات نظر عن الإرادة الحرة تتفق مع الفهم العلمي للطبيعة البشرية. وبالرغم من دعاوى المنكرين للإرادة الحرة، تقترح الدراسات أن معظم الناس يتقبلون فكرة وجود الإرادة الحرة حتى لو كان كل نشاطنا العقلي يحدث نتيجة لنشاط الأعصاب. وإذا ما كان معظم الناس ليسوا بثنائيي المذهب، فمن الخطأ إذًا أن تخبرهم بأن الإرادة الحرة مجرد وهم بناءً على وجهة نظر علمية تنظر إلى هذه “الثنائية” باعتبارها باطلة.

وإحدى الطرق التي يمكن بها أن نختبر افتراضات الناس عن الإرادة الحرة، هي أن تصف لهم تقنية تصوير دماغي يمكنها أن تسمح بالتنبؤ الدقيق للأفعال، بناءً على معلومات عن النشاط الدماغي السابق. وفي الواقع، اقترح هاريس أن هذه التجربة “سوف تكشف عن حقيقة أن هذا الشعور “الإرادة الحرة” ما هو إلا محض وهم”.

ولكي نكشف ما إذا كانت وجهة نظر الناس بخصوص الإرادة الحرة سوف يتم تحديها لو عرفوا أن معالجة المخ للمعلومات في اللاوعي تتنبأ بالسلوك، أجريتُ -مع جيسون شيبارد من جامعة إيموري، وشين رويتر من جامعة واشنطن في سانت لويس- سلسلة من التجارب التي قدمنا فيها للمشاركين سيناريوهات مفصلة تصف تقنية تصوير دماغي مستقبلية، بذات الطريقة التي اقترحها هاريس.

شارك مئات الطلاب من جامعة ولاية جورجيا في هذه الدراسات. إذ قرأوا عن امرأة تسمى جل، موجودة في وقت ما في المستقبل البعيد، ارتدت قبعة تصوير دماغي لفترة شهر. وباستخدام المعلومات التي جرى الحصول عليها من جهاز المسح الدماغي هذا، تمكن علماء الأعصاب من التنبؤ بكل ما فكرت فيه وقالته. حتى حينما حاولت أن تتحايل على النظام. خلص هذا السيناريو الى أن “هذه التجارب تؤكد أن كل الأنشطة العقلية البشرية هي أنشطة دماغية، بحيث إن كل شيء يفكر فيه أي بشر أو يقوم به، يمكن التنبؤ به مسبقًا بناءً على النشاط الدماغي السابق له”.

80% من المشاركين في هذه الدراسة، قالوا إنهم يعتقدون أن مثل هذه التقنية المستقبلية يمكن أن تتحقق في الواقع، لكن نسبة 87% منهم ذكروا أنهم يعتقدون أن جل تمتلك إرادة حرة. وحينما سأل هؤلاء عما إذا كان وجود مثل هذه التقنية يعني أن الأفراد لا يملكون إرادة حرة، رفض 78% منهم هذه الخلاصة. وكشفت الأبحاث الإضافية أيضًا عن أن الغالبية العظمى من الناس يعتقدون أنه ما دامت التقنية لا تسمح لأدمغة البشر أن يتلاعب بها أو يتحكم فيها آخرون، فإن الإرادة الحرة تكون موجودة لدى هؤلاء الناس، كما أنهم مسؤولون عن تصرفاتهم.

ويعتقد معظم المشاركين في هذه الدراسة ، أن جهاز المسح الدماغي الافتراضي يعمل فقط على تسجيل النشاط الدماغي للتفكير الواعي لجل، وتسجيل الاعتبارات التي تضعها في الحسبان بخصوص ما سوف تقرره. وبدلًا من اقتناعهم بأن هذا الأمر يعني أن مخ جل يجبرها على القيام بعمل ما -وأنها لا تمتلك إرادة حرة- يرى هؤلاء أن جهاز المسح الدماغي يكشف فحسب عن الطريقة التي تعمل بها الإرادة الحرة في المخ.

لماذا إذًا يظن المنكرون لوجود الإرادة الحرة أن العكس هو الصحيح؟ قد تكون للإجابة صلة بالوضع الحالي للمعرفة. ما لم يتمكن علم الأعصاب من تفسير الوعي -الأمر الذي سوف يتطلب أساسًا تكوين نظرية لتفسير كيف أن عقولنا غير قابلة للاختزال أو الاختلاف عن كيفية عمل المخ- فمن المغري أن نفكر، كما يفعل المنكرون لوجود الإرادة الحرة، أنه إذا ما كان الدماغ يقوم بكل شيء، فإنه لن يتبقى للعقل الواعي ما يفعله.

ومع تطور علم الأعصاب وتحسن تقنيات التصوير، ينبغي أن تساعدنا هذه التطورات في الكشف عن المقدار الفعلي للتحكم الواعي الذي نمتلكه، وعن المدى الذي تتحكم في تصرفاتنا العمليات الخارجة عن نطاق سيطرتنا. والحصول على حلول لهذه الأسئلة عن الإرادة الحرة مهم. إذ يتطلب نظامنا القضائي -والأساس الأخلاقي للكثير من مؤسسات مجتمعنا- فهمًا أفضل عن مدى مسؤولية الناس عن أفعالهم.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1