هل تتعمد الشركات في إنتاج أجهزة لا تدوم؟

أكثر نظريات المؤامرة شيوعًا هذه الأيام هو ما إذا كانت شركات الهواتف الذكية تتعمد صنع منتجاتها لتبلى أو تتقادم بعد عدة سنين، ما يضاعف لها الإيرادات وعليك النفقات، فهل هذا صحيح؟

حسنًا عندما يأتي الأمر الى هذه الأجهزة بالذات فالأمر معقد، لكن فكرة صنع منتجاتٍ تبلى عمليًا أو جماليًا مع الزمن هو حقيقة مثبتة، حتى أن له اسما: البوار المخطط planned obsolescence.

درس في التاريخ: المصباح الكهربائي

قد يبدوا “البوار المخطط أو المتعمد” فكرة عبقري تسويق جديدة لكنها في الحقيقة قديمة بل قديمة جدًا، ولتعرف أول منتج صمم ليفشل بعد فترة، يجب أن تعود بالزمن الى اكتشاف المصباح الكهربائي.

كرة الضوء المتوهجة هذه التي اخترعها توماس اديسون -مشكورًا – سنة 1880 لم تكن تستعمل سلك التنغستن الرقيق الموجود داخل مصابيح اليوم، لكنها وظفت أسلاك كاربون سميكة كانت تدوم أكثر بكثير، ولا تعتقد أن الأكثر بكثير تعني عامًا أو اثنين فاليوم يمر على أحد هذه المصابيح ذكرى تشغيله ل115 سنة دون توقف.

ورغم أن الطاقة لدينا قد لا تستمر ل115 سنة دون انقطاع لكن من منا لا يحب امتلاك هذا النوع من المصابيح!

هذا كان مثاليًا لشركات الطاقة الاولى التي تكفلت لا بتجهيز نظام طاقة المدينة وحسب لكن بتصنيع المصابيح أيضًا لذا كان لزامًا عليها جعلها بأعلى المواصفات.

لكن سرعان ما تغير الأمر وأصبح الأفراد يقتنون مصابيحًا للاستخدام المنزلي على كلفتهم الخاصة، وهنا أدركت الشركات أن بإمكانها جعل أرباحها أضعافًا مضاعفة بتقليص عمر المصابيح التي يبيعونها، بدأت هذه الحركة عام 1924 عبر سيء السمعة فيبس كارتيل، حيث تجمعت شركات تصنيع المصابيح الكهربائية من كافة أنحاء العالم في جنيف وكان الهدف هندسة مصباح يعمل لألف ساعة لا غير.

ورغم أن هذا العمل كان غير قانوني بشدة وتم جر العديد من الشركات المتواطئة إلى قاعات المحاكم بتهمة خرق قانون مكافحة الاحتكار، لكن “إذا فات الفوت ما ينفع الصوت” فالضرر قد تم بالفعل والبوار المتعمد قد أبصر النور وسرعان ما نفذ الى باقي المجالات الصناعية، فكانت صناعة الملابس بمواد أقل ديمومة وطرأت على صناعة السيارات فكرة “موديل السيارة”.

اليوم، البوار المتعمد لم يعد تكتيكًا متخفيًا بقدر ما هو إستراتيجية تسويق واضحة، تلمس ذلك في كل الجوانب الصناعية من خراطيش الطابعات “cartridges” مرورًا بالجوارب المصنوعة من النايلون إلى الدفاتر.. يبدوا أن كل ما نقتنيه اليوم يذبل أسرع من المتوقع، لكن في الواقع هذا ليس معيبا حقا!

فأولًا البوار المتعمد يجعل السلع أرخص للمشتري، فما قيمة سيارة تعيش دهرًا ما لم تستطع شرائها! وثانيًا ليس من المنطقي أن تدوم بعض الأشياء لقرن مثلًا! ملابس الأطفال على سبيل المثال غالبًا ما تنتفي الحاجة إليها قبل تلفها بمدة لنمو الطفل أو زوال موضتها، وثالثًا وأخيرًا فإن بعض الصناعات تنمو بوتيرة متسارعة لدرجة أن سابق منتجاتها لا تستطيع ألا تبدوا رثة مقارنة بحاضرها حيث يبدوا أن هناك اكتشاف جديد كل يوم، وهذا ما ينطبق على الهواتف الذكية.

بالطبع هناك بعض الاستراتيجيات التي تستعملها الشركات لتجعلك تقتني جهازًا جديدًا قبل أن تحتاجه بالفعل، من التصاميم المحدثة الى جعل بعض التحديثات حكرًا على الأجهزة الحديثة.

لكن الأمر الجوهري هو أن التكنولوجيا تتطور بسرعة لدرجة لا تترك للهواتف غير أن تبدوا قديمة بعد فترة قد لا تكون طويلة، وهذا لب ما قاله هاورد تلمان المدير التنفيذي في (startup incubator) لقناة الـ BBC.

ترجمة: موسى جعفر

المصادر: 1