ميكانيكيا الكم تغزو علم الأحياء

عادة ما تكون ميكانيكيا الكم تشبه نوعًا ما ذلك الصديق الذي نعلم في أعماقنا أنَّه ربما يكون علىٰ حق، إلّا أنَّا نستمر في تجاهله قدر الإمكان، مبقين بذلك علىٰ أفكارنا المبنية على الأوهام لأنَّها تؤدي الغرض إلىٰ حد الآن، فنبقى علىٰ هذا الحال إلىٰ أن يفشل شيءٌ ما، فيظهر لنا ذلك الصديق مستهزئًا ويقول: “ألم أقل لكم؟!”،وقد تكون حانت هذه اللحظة بالنسبة لعلماء الأحياء.

ففي عملية البناء الضوئي، تلك العملية التي تزود الحياة بالطاقة، يشطر شعاع الشمس الماء إلىٰ الهايدروجين والأوكسجين ويهيّج بعض الإلكترونات، فتقفز الإلكترونات عاليًا ثم تهوي إلىٰ الأسفل مصرّفةً بذلك الطاقة الفائضة، وتخزن هذه الطاقة في روابط كيميائية تستخدمها النباتات استخدامًا غير مباشر لتعيش.

ترىٰ الفيزياء الكلاسيكية أنَّ علىٰ الإلكترون أن يأخذ وقتًا أكبر مما تم رصده حتىٰ يُمكنه القفز في الأرجاء، وأنَّ عليه فقدان كمية طاقة لما حوله أكبر مما يفقده بالواقع، باختصار، فإنّ البناء الضوئي أكثر سلاسة وسرعة وفعاليّة مما ينبغي بنظر الفيزياء.

والآن، نحن لا نستطيع تجاهل الأمر أكثر من ذلك، فقد رصد علماء الفيزياء إشاراتٍ لنشاطٍ كمّي، أي ما يعرف بالتراكب الكمي (quantum superposition)، وذلك في الخلايا التي تقوم بعملية البناء الضوئي، وهذا قد يعني أنَّ باستطاعة الإلكترون المتهيّج أن يستكشف عدة طرق ليقفز آنيًّا في الأرجاء ووهكذا فإنَّه يجد أفضل الطرق لفقدان أقل قدر ممكن من الطاقة ولعدم تضييع الوقت. لقد كان ذلك صدمة كبيرة لعلماء الأحياء، فالنشاط الكمي لا يمكن عادة رصده إلّا في مختبر تجاربه تخضع لظروف ذات تحكم عالي، وليس في جلبة الخلية الحية المزعجة.

وبينما تأتي نظرية الكم الجديدة هذه مصاحبةً لإخلاء طرف علمي اعتيادي بأنّ هذا النشاط الذي تم رصده قد لا يساهم بالواقع في عملية البناء الضوئي إطلاقًا، إلّا أنَّه يتناسب بدقة مع أيّ أمر آخر نعرفه عن البناء الضوئي، حتى وإن كان الأمر يتطلب المزيد من الأدلة لإثباته.

لا يزال هنالك المزيد! فعلماء الكم، غير مكتفين بقرصنة العمليات الحيوية الأساسية، يدّعون كذلك مقدرتهم على حل مشاكل علماء الأحياء الأخرىٰ، فعلى سبيل المثال: ماهو ذلك الذي يعطي كل مادة كيميائية رائحتها المميزة.

تنص النظرية التقليدية علىٰ أنَّ جزيئاتٍ ذات أشكال مختلفة تلتحق بالامستقبلات في الأنف وتولّد روائح مختلفة، ولكن بعض الجزيئات متشابهة جدًا في الشكل إلاّ أنَّ رائحتها مختلفة، بينما تلك الجزيئات التي تختلف كثيرًا لها نفس الرائحة، وهنا يقترح بعض العلماء أنَّ ذلك يرجع للخصائص الكميّة.

ويقول هؤلاء العلماء أنَّ الجزيئات ذات الرائحة تنشئ عملية تدعى النفق الكمومي “Quantum Tunnel”، حيث توفر روابط محددة في الجزيئات ذبذبة تنقل الإلكترونات المستقبلة من نقطة إلىٰ أخرىٰ عبر نفق كمومي، مما يعني أنَّ هذه الإلكترونات لا تنتقل عبر المساحة المحيطة، مما قد يعني أنّه لدى الجزيئات، ما يمكن تسميته، توقيعًا نفقيًّا لكي يتعرف الدماغ عليها.

فمما يزعج علماء الأحياء، أنَّ هنالك بعض لأدلة الدامغة علىٰ ذلك، بما في ذلك حقيقة أنَّه لا يوجد أيّ تشابه بين جزيئات الكبريت والبورانات، إلّا أنَّ ذبذبات روابطهما متشابهتان، بالإضافة أنَّ لهما نفس الرائحة. في الوقت الذي لا يُمكن اعتبار ذلك إثباتًا، يفترض علماء الفيزياء أنَّهم سيتطيعون قريبًا فك رموز مشكلة الرائحة وسيكون ذلك إلىٰ الأبد.

يجدر بنا القول بأنَّنا نهتدي في هذه الأثناء إلىٰ عصر جديد يشكل مزيجًا من علم الأحياء والكم، فقد طورت ميكانيكيا الكم نفسها من فرعٍ مبهم من علمٍ محيرٍ للغاية، إلىٰ أمرٍ أقرب بكثير إلىٰ واقعنا، لقد ولّت تلك الأيام التي كان ينعم بها علماء الأحياء بجهلم بهذا العالم، والذي قد يتحول إلى داعم لأي عملية في هذه الحياة… هل نحن حقًا عبارة عن ميكانيكيا الكم.

المصادر: 1